أنور إبراهيم.. من المعتقل إلى البرلمان

كان منظر رئيس الحكومة الماليزية مهاتير محمد غريباً وهو يقف لأول مرة منذ عشرين عاماً إلى جانب حليفه الحالي وغريمه السابق «أنور إبراهيم» في حشد انتخابي لدعم الأخير في دائرة ترشحه بمدينة «بورت ديكسون» الواقعة على الساحل الغربي لشبه جزيرة الملايو .

حيث فاز إبراهيم بحصوله على أكثر من 31 ألف صوت، في حين حصل أقرب منافسيه الستة على 7.5 آلاف صوت فقط. وبهذه النتيجة يعود إبراهيم إلى البرلمان الماليزي ليحتل مقعداً فقده منذ سنوات، وليحقق شرطاً دستورياً لتولي زعامة ماليزيا خلفاً لمهاتير، في حال قرر الأخير ترك السلطة فعلاً كما وعد خلال الانتخابات العامة الأخيرة التي جرتْ في مايو المنصرم.

والتي حملته إلى السلطة مجدداً على وقع فضائح الفساد التي يـُقال إن رئيس الوزراء السابق نجيب رزاق قد تورط بها، وذلك حينما شكل الرجلان (مهاتير وإبراهيم) تحالفاً استئنافياً لإخراج التحالف الحاكم من سلطة دامت لستة عقود كان مهاتير نفسه نجم هذا التحالف الأبرز.

وإذا ما عدنا قليلاً إلى سنوات خلتْ، كان وقوف مهاتير كداعم انتخابي لإبراهيم، وكذا عودة الأخير إلى المشهد السياسي الماليزي أمرين محالين. المعلوم للجميع أن مهاتير هو الذي زجّ بصديق عمره ورفيق دربه أنور إبراهيم في السجن.

وعمل على تلويث سمعته بتهم كممارسة الشذوذ الجنسي مع سائقه، والتخابر لصالح المخابرات المركزية، والضلوع في سرقة المال العام وقبض العمولات والفساد. وهي تهم أحدثتْ شرخاً غير قابل للإصلاح في صورة الرجل كرمز للتيار الديني، خصوصاً في بلد مسلم كماليزيا.

وقتها قيل إنّ البعض من مؤيدي إبراهيم، لأسباب لا تتعلق بإعجابهم بأفكاره بقدر مقتهم لحكم مهاتير الديكتاتوري الطويل، يرون أن البديل الأفضل لإبراهيم هي زوجته طبيبة العيون «وان عزيزة وان إسماعيل»، خصوصاً وأن الأخيرة لم تكن مثل زوجها شريكاً لمهاتير في الحكم لسنوات طويلة.

وبالتالي لم تتردد حولها أقاويل عن استغلال السلطة للنفوذ والفساد المالي، ناهيك عن أنها ابنة لعائلة معروفة وصاحبة مكانة اجتماعية ومهنية مدعومة بالعلم والثقافة يحترمها الناس. والصفة الأخيرة ربما بزّت بها عزيزة قريناتها الآسيويات اللواتي صعد جلهن إلى السلطة في بلادهن دون ثقافة تتجاوز ثقافة المطبخ العائلي باستثناء «أنديرا غاندي» في الهند و «بي نظير بوتو» في باكستان.

والمعروف أن عزيزة كان لها دور في تأسيس علاقة عائلية ما بين زوجها ومهاتير محمد لم تنقطع حبالها إلا في سبتمبر 1998 عندما وصلتْ علاقات الرجلين إلى منعطف خطير من بعد فترة من المد والجزر خلال عامي 1996 و1997.

كما أن عزيزة هي التي دفعتْ زوجها إلى خوض غمار السياسة تحت مظلة الشرعية ممثلة في «حزب رابطة شعب الملايو المتحد» الحاكم المعروف اختصاراً باسم «أمنو» الذي كان مهاتير أحد رموزها الصاعدة آنذاك، وذلك من بعد فترة قضاها إبراهيم في قيادة حركة شبابية راديكالية معارضة دخل بسببها السجن لمدة 22 شهرا.

ويمكن القول إنه بقدر ما كان هذا انتصاراً لمهاتير لجهة قدرته على احتواء إبراهيم وحركته، فإن عزيزة وجدته انتصاراً لزوجها وذلك من منطلق أن دخوله الحزب الحاكم سيوفر له فرص التغيير والصعود أكثر مما لو ظل خارجه.

لكن الرياح لم تجر كما أرادت عزيزة، التي سارعت بعد الإطاحة بزوجها من كافة مناصبه وإدخاله المعتقل وتشويه صورته، إلى إنشاء وقيادة حركة سياسية إصلاحية معارضة لمهاتير وحزب أمنو قبل أن تتحول الحركة إلى «حزب العدالة» في عام 1999 وقبل أن يندمج الحزب الأخير مع حزب أقدم هو «الحزب الشعبي الماليزي» ويخوضا معاً الانتخابات العامة في 1999 التي فازا فيها بخمسة مقاعد برلمانية كان أحدها من نصيب عزيزة.

أما في انتخابات 2008 العامة فقد تخلتْ عزيزة عن مقعدها من أجل إفساح المجال أمام زوجها كي يتنافس في دائرتها، حيث كان إبراهيم قد استعاد حريته بعد ترك مهاتير الحكم لصالح «عبد الله أحمد بدوي» الذي كان أول ما فعله هو تصفية ذيول قضية إبراهيم وما سببته من تشويه لصورة ماليزيا الخارجية. والجدير بالذكر أن إبراهيم فاز واستعاد مقعده البرلماني آنذاك، قبل أن يـُزج في السجن لاحقاً بتهم جديدة.

السؤال المتداول الآن هو عما إذا كان مهاتير محمد (93 عاماً) المعروف بشراهته للسلطة والأضواء، والرافض لفكرة أنْ يشاركه أحد في لقب (باني المعجزة الماليزية «سوف يفي بوعده ويسمح لأنور إبراهيم (71 عاما) أن يصبح الزعيم السابع لماليزيا منذ استقلالها سنة 1957، أم أنه سيبحث عن مبررات لإقصائه مجدداً كما فعل مع حلفاء آخرين له من أمثال إبراهيم نفسه ومن قبله موسى حاتم وتنكو رضا لاي حمزة) ؟

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي من البحرين

تعليقات

تعليقات