«جناحا» القيادة

كان يعتقد حتى وقت متأخر، بأن ملايين القياديين الذين يقودوننا في شتى المؤسسات، يتحلون «بصفات» أخاذة حتى انقشعت غمامة أو «هالة السمات» الشخصية، وحلت محلها فعالية «السلوك» القيادي.

فمن نراهم مؤثرين من حولنا ليسوا بالضرورة أصحاب صفات عديدة أو عظيمة بالضرورة. فالناظر إلى حقبة مهمة في تاريخ التعمق في دراسة القياديين لا بد أن يتوقف عند ما يطلق عليه «دراسات القيادة لجامعة أوهايو».

وهذه الدراسات جاءت «ببعدين سلوكيين» اتضح أنه حينما يمارسهما القائد «معا» فإن أداءه سيكون في أوجه من جهة فعالية أدائه. وإن كان هناك تفاوت بحسب المنطقة الجغرافية. البعد الأول يطلق عليه consideration أي «مراعاة مشاعر الآخرين». وهذه قيمة سلوكية لا يبدو أن القياديين الاستبداديين أو الغليظين بطبعهم يفهمونها جيدا.

والاستبداد ليس مرتبطا في قيادة بلدان، فقد يكون في إدارة صغيرة مستبدا طحن كل من يعملون تحت إمرته باعتبار أن لديه «ضوءا أخضر» من علية القوم. ولا يدرك هؤلاء أن الأيام دول ولا يبدو أنهم تدبروا المقولة الشهيرة «لو دامت لغيرك ما اتصلت إليك».

فالقيادة لا تعني أن صاحبها «سي سيد» كما يقول أشقاؤنا المصريون. بل هي تكليف وليس تشريفاً. ولأنها أمانة كبيرة وأخطاؤها جسيمة أحياناً، فلا يمكن أن يصل القائد بقاربها إلى بر الأمان إلا عبر فريق عمل متناغم. وهذا ما يجرنا إلى البعد الثاني الذي توصلت إليه الأبحاث الكثيرة لجامعة أهايو وهو «المبادرة لتحديد العمل وحسن تنظيمه».

فبعض القياديين يظن أن كل ما ليس له علاقة باتخاذ القرارات تجاه ما يرفع إليه من مرؤوسيه فهو ليس من مهامه! ولا يعلم البعض أن القيادة ليست محصورة في اتخاذ قرارات، بل تشمل «المبادرة وتحديد العمل وحسن تنظيمه».

ومن يواظب على تلك المهمة المنسية يؤثر في مؤسسته وحبذا لو كان كيّساً أيضاً. ومن مهام البعد الثاني مثلا أن يتدخل في وضع الخطوط العريضة للأنشطة، ويوضح للجميع أدواره في إنجاز كل مهمة، ويتأكد من أنه قد ربط نفسه بمرؤوسيه بقنوات تواصل دورية وواضحة، لا تجعل بينهم وبينه فجوة تواصل. وهذه مسألة مهمة فكثير من القطاعات أو الإدارات تتدهور تدريجيا، ثم يكتشف ذلك المدير بعد فوات الأوان، والسبب أن القيادي ولى عليهم مديرا تعمد عزلهم عن القيادة العليا.

فهذا المدير «يفلتر» ما يصعد للقياديين الكبار حتى يبقي صورة جيدة عن إدارته في أذهان الكبار بالمؤسسة. غير أنه في العمل الجماعي «يمكن أن تخدع بعض الناس بعض الوقت لكنك لن تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت» كما قال الرئيس الأميركي أبراهام لنكولن.

وخلاصة القول، إنه بالرغم من التفاوت المرتبط بالمنطقة الجغرافية، غير أن دراسات القيادة لجامعة أوهايو، التي استمرت لعقود، قد توصلت إلى أن القيادة الفعالة تحلق بجناحين: المبادرة في تنظيم العمل وتحديد مهامه، وحسن مراعاة مشاعر الناس. والبعد الأخير هو أكثر ما نفتقده هذه الأيام!

 

 

تعليقات

تعليقات