جلال أمين.. خسارة ثقافية

غيّب الموت كاتباً فذاً وأستاذ اقتصاد مرموقاً، هو جلال أمين، يوم 25 سبتمبر الفائت. ولم تفقد مصر فحسب، بل الأمة العربية كلها، كاتباً ومفكراً متميزاً له إسهامات عدة في مجاله الأكاديمي والشأن العام. وقد ترك لنا الفقيد مكتبة تحتوي على كتب ومقالات عدة، تتناول قضايا عدة من الأدب إلى الاجتماع إلى الاقتصاد إلى السياسة إلى أحوال الناس إلى المعرفة إلى الشخصيات التي لعبت دوراً في الحياة العامة في مصر وفي العالم العربي.

وقد تعرفت إلى الكاتب من خلال أحد كتاباته الأكاديمية في الثمانينيات من القرن الماضي، الذي تحدث فيه عن مقارنة بين محمد علي باشا، وما قام به الأوروبيون لإجهاض مشروعه الوطني لتحويل مصر إلى دولة حديثة وقوية، ومشروع جمال عبد الناصر القومي العربي والتآمر الغربي لإسقاط هذا المشروع القومي.

وقد كان الراحل جلال أمين يرى أن العوامل الخارجية مهمة إلى درجة أنها تستطيع أن تحدد مستقبل دولة لما لها من تأثير على البلدان، وخاصة النامية منها. ولا يغفل جلال أمين العوامل الداخلية أبداً، بل إنه في كثير من كتاباته يركز على هذه العوامل الداخلية.

فعلى سبيل المثال، في كتابه الشهير «ماذا حدث للمصريين؟»، يركز جلال أمين على رصد الحراك الاجتماعي الذي غيّر في المجتمع المصري لمدة نصف قرن، من الثورة المصرية 1952 إلى نهاية الألفية. وكيف أثر هذا الحراك على سلوك المصريين وعلى نمط استهلاكهم وحتى في تعاملهم مع اللغة الأم.

ولكن ما جذبني إلى كتابات الراحل الكبير هو السرد عن الذات والبوح بما يدور في خلجات نفسه بكثير من الشفافية. ولعل المجتمعات العربية لا تقبل كثيراً بهذا الإفشاء عن العائلة وأسرارها وخصوصياتها. ولكن جلال أمين أبى إلا أن يتحدث عن هذه المواضيع بلغة جميلة وسلسة. ويتضح من كتاباته حصيلة ثقافية واسعة في شتى الفنون والعلوم.

ويمكن لأي قارئ أن يتلمس هذه الثقافة الواسعة والأسلوب الأدبي الرائع والأسلوب الشفاف في الكتابة من السيرة الذاتية لجلال أمين «ماذا علمتني الحياة»، الذي نشر في العام 2007. فالكاتب هو ابن المفكر والأديب أحمد أمين صاحب كتاب «فجر الإسلام» و«ضحى الإسلام». وقد نمى جلال أمين في بيت هذا الأزهري، الذي أصر على تعلم اللغة الإنجليزية ليكتشف ما يحمل الغرب من رسالة حضارية.

ويسرد الكاتب سيرة حياته في هذا الكتاب، وآخر نشر في 2010 بعنوان «رحيق العمر». ويبدو أن الكاتب كان شديد التأثر بوالده خاصة في ولعه بالتحصيل العلمي والثقافي، وتمتعه بالأسلوب الأدبي في الكتابة؛ فحين هم بكتابة سيرته، قرأ جلال السيرة الذاتية لوالده «حياتي». وكما يروي فإن والدته قدمت كثيراً من التضحيات في تربية عائلة كبيرة لم تكن تمتلك حظاً من العلم أو المعرفة.

ولا يبدو أن الأب كان كثير الاكتراث أو الإعجاب بزوجته. فكان زواجاً تقليدياً بكل المعنى. أي أب يصرف على العائلة وأم تدير المنزل وتهتم بتدبيره، وأولاد في مدارسهم، وليس هناك ما يدل على أبعاد أخرى لهذه العلاقة. ولكن الحب الذي يكنه الكاتب لإخوته كبير جداً، خاصة أخيه المرحوم الكاتب والدبلوماسي حسين أمين.

وبعكس والده فإن جلال أمين تزوج من امرأة إنجليزية تعرف عليها أثناء دراسته الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد، حيث نال درجة الدكتوراه.

وقد عاد مع زوجته إلى مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، حيث انخرط في سلك التدريس، ولكن الأمور لم تستقر على ذلك. وفي حالة توضح كيف أن الصدف تقرر مصير بني البشر، دعي الكاتب إلى ندوة اقتصادية في الكويت في بداية 1973. وعندما انبهر الكثير بورقة جلال، قام الصندوق الكويتي بتقديم عرض سخي ليعمل في الصندوق.

ولكن جلال آثر البقاء في مصر والعمل في بلاده عزوفاً منه عن التعلق بالإغراءات المادية التي تجلبها وظيفة مرموقة في الكويت. ولكن بعد حرب أكتوبر وما بدا له إلى أن الرئيس أنور السادات يمهد إلى التصالح مع إسرائيل والغرب، قرر الرحيل إلى الكويت ليعمل مع الصندوق.

ولكن الغريب أنه رغم مدة مكوثه في الكويت التي جاوزت الأربع سنوات، وتمتعه برغد العيش الكريم فيها، ونال ما نال من الإشباع المادي، إلا أنه لم يستقر هناك، وحين عرض عليه وظيفة أستاذ زائر إلى الجامعة كاليفورنيا المرموقة في لوس أنجليس، تلقفها بكل حماس. وترك عمله في الكويت وهرع إلى الولايات المتحدة.

وقد استحق الراحل الكبير جلال أمين التكريم الذي حظي به ونال جائزة من مؤسسة جائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية للعام 2010. والحقيقة التي لا مواربة فيها أن مصر والعالم العربي فقدا بوفاة جلال أمين مثقفاً وكاتباً ألمعياً لا يمكن تعويضه.

* كاتب وأكاديمي

تعليقات

تعليقات