أوروبا والعرب.. قمة في قلب العاصفة!

أخيراً. تم تحديد موعد القمة العربية الأوروبية الأولى في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من شهر فبراير المقبل، يأتي ذلك بعد عامين من قرار قمة البحر الميت في مارس 2017 بالموافقة على القمة، ووسط ظروف بالغة الدقة يواجهها الطرفان العربي والأوروبي على السواء.

وبعيداً عن تعقيدات الماضي البعيد أو القريب، فإن ما يجري في أوروبا وفي العالم العربي يستوجب من الجانبين العمل المشترك والجاد لتجاوز المشكلات المعقدة التي تواجهها. كما أن التغييرات الهائلة التي تجري في العالم والتي تؤذن بنهاية مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية تفرض على الجميع أن يستعد جيداً لعبور مرحلة انتقالية صعبة نحو نظام عالمي جديد ما زالت ملامحه تتشكل.

مع نهاية الحرب البادرة كانت أوروبا توحد صفوفها وتحقق تقدماً اقتصادياً هائلاً، وتبدأ في فرض وجودها كقوة قادرة على أن تكون جزءاً فاعلاً ومؤثراً في قيادة العالم.. بينما كان العالم العربي رغم جهود هائلة لتعويض سنوات الاستعمار والتخلف، يظل في بؤرة الصراع الدولي والمطامع الإقليمية التي رعت قوى الإرهاب وتحالفت معها، لتمر المنطقة العربية بسنوات صعبة واجهت فيها استنزاف المواجهة للعدوان الإسرائيلي المستمر، وأطماع القوى الإقليمية غير العربية «إيران وتركيا» وصراعات القوى العالمية على الأرض العربية التي دمرت العراق وسوريا وليبيا، وكادت تهدم الدولة العربية الأكبر في مصر لتسلم المنطقة لقوى ترفع زوراً رايات الإسلام، بينما تمارس أحط أنواع الإرهاب، ولا تتورع أن تكون ذراع الأعداء لتدمير «الدولة» الوطنية في العالم العربي، وأن تعتبر «العروبة» هي العدو، وأن الأوطان مجرد «حفنة تراب عفن» كما آمن الإخوان وشركاؤهم وكما فضحتهم كتابات «مفكريهم» وخيانات قياداتهم.

الآن يتغير المشهد - في المنطقة والعالم - بصورة دراماتيكية لن يكون أحد بعيداً عن تأثيراتها، نتابع منذ سنوات الحديث عن انتقال مركز الصراع العالمي إلى الشرق مع الصعود المذهل للقوى الاقتصادية للصين التي بدأت تترجم هذه القوة عسكرياً وسياسياً، ومع دخول الصراع الأميركي ـ الصيني على قمة العالم مرحلة بالغة الدقة، ومع عودة روسيا كقوة ثالثة وربما حاسمة في موازين القوى وصراع القمة.

وعندما بدأ الحديث عن قمة عربية ـ أوروبية، كان الشرق الأوسط غارقاً في دمار الحروب ضد الإرهاب وضد محاولات نشر الفوضى غير الخلاقة والدمار الذي بشر بالديمقراطية والرخاء، ولم يترك وراءه إلا الخراب والحروب المذهبية، بينما كانت أوروبا تدرك أن الخطر الذي ساهمت في خلقه بدعمها لإرهاب الإخوان، ودورها في ضرب الدولة «كما حدث في ليبيا».. هذا الخطر الذي ظنت أنه سيظل بعيداً عنها لم يكن كذلك بعد أن بدأ الإرهاب يضرب في قلب أوروبا، وبعد أن بدأت ملايين اللاجئين تطرق أبوابها.

والآن تتغير الظروف كثيراً، اللعب في الشرق الأوسط أصبح على المكشوف، والأقنعة كلها قد سقطت. موجة اندحار الإرهاب التي بدأت مع سقوط حكم الإخوان لمصر تستمر، ومحاولة إقامة نقطة ارتكاز لإيران في اليمن يتم ضربها. ومع ذلك تبقى التحديات هائلة، وتبقى المخاطر كبيرة.

أيضاً.. تغيرت الأوضاع كثيراً بالنسبة لأوروبا، خاصة مع رئاسة ترامب لأميركا، ومع اندلاع مخاطر عودة الحروب الباردة مع روسيا، ثم.. مع تصاعد قوى اليمين التي تهدد بأن يكون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مجرد بداية لانشقاقات أخرى تغذيها عناصر اليمين المتطرف التي لا تعلن فقط كراهيتها للمهاجرين من خارج أوروبا، بل ترفض أن تكون جزءاً من أوروبا على حساب هويتها الوطنية.

في ظل هذه الظروف يتم الإعداد للقمة العربية ـ الأوروبية التي نرجو أن يتم الإعداد الجيد لها من جانبنا، وبقدر ما يواجه الطرفان العديد من التحديات الصعبة، بقدر ما تبدو آفاق التعاون المشترك بينهما بلا حدود إذا كانت نقطة الانطلاق في هذا الحوار هي الإقرار بالمسؤولية عما وقع من أخطاء، والتوصيف الموضوعي للمشكلات والمخاطر الحالية والمستقبلية، وتوفر الإرادة للوصول لحلول تعالج جذور المشكلات وتحقق مصالح الطرفين معاً.

تستطيع أوروبا أن تقيم مع العرب شراكة حقيقية تحقق مصالح الطرفين. يتطلب ذلك أن تتخلى أوروبا عن كل دعم لفصائل الإرهاب تحت دعوى أن هناك ما يمكن أن يسمى بـ«الإرهاب المعتدل»!! ويتطلب ذلك أن تتخذ أوروبا موقفاً حاسماً ضد كل من يدعم الإرهاب من دول المنطقة والعالم، ويتطلب ذلك أن تطور أوروبا موقفها المؤيد لحقوق الفلسطينيين إلى إجراءات تتعامل مع إسرائيل كسلطة احتلال عنصري لم يعد له مكان في هذا العصر.

ويتطلب ذلك أن يكون هناك موقف أوروبي موحد ضد كل محاولات مد النفوذ والتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية من جانب قوى إقليمية عدوانية كإيران وتركيا.

من المفيد أن تسمع أوروبا ذلك، وأن تدرك أن عليها أن تراجع الكثير من سياساتها، ألا تحمي جماعات الإرهاب أو تقف مع الدول الداعمة له، وألا تتستر على استنزاف الأموال من المنطقة لبنوكها ثم تطارد المهاجرين، وألا تشكو من ابتزاز قوى كبرى لها، ثم تشارك هذه القوى مخططاتها ضد العرب!!

* كاتب صحافي مصري

تعليقات

تعليقات