خاشقجي و«عقل» العالم

يبدو العالم، شرقه وغربه، عربه وعجمه، غريباً جداً في ضوء اختفاء ومن ثم إعلان وفاة الكاتب السعودي جمال خاشقجي. الاختفاء ليس مدعاة للفرح. والموت لم يكن يوماً سبباً للمرح، حتى لو كان المضرور قد باغت بالعداء أو سبق إلى الشقاق.

الشق الإنساني والوازع الأخلاقي يدفعان كل ذي قلب وعقل إلى تمني السلامة للجميع، لكن مع أمنيات السلامة وآمال الطمأنينة تأتي أسئلة كثيرة. ورغم بدء تواتر المعلومات والتصريحات التي تفيد بموت خاشقجي، ولأن بقية المجريات لم تتضح بعد حتى لحظة كتابة هذه السطور، فإن المتابع لا يمتلك سوى التعجب من المشهد.

اكتب كلمة «خاشقجي» بالإنجليزية على «غوغل» وأطلق العنان لمواطن الاستفهام. وبينما أنت تنقر حروف k ثم h ثم a وقبل أن تصل إلى الـ s، تباغتك عبارات بحث من سبقوك بالإنجليزية: «خاشقجي الأحدث» خاشقجي عُذِّب أمام أعين مسؤولين كبار «ترامب يقول إن معلومات مقتل خاشقجي ذات مصداقية» «ترامب يعتبر تصريح مقتل خاشقجي خطوة أولى جيدة»، وقبل إعلان الوفاة تواترت آلاف العناوين وعبارات البحث، حيث «خاشقجي آي ووتش» «خاشقجي الاستخبارات البريطانية» «خاشقجي سي آي إيه» «خاشقجي رويترز» «خاشقجي واشنطن بوست»، وذلك على رأس قائمة طويلة من عبارات البحث السابقة.

تستكمل كتابة الكلمة، لتجد مئات، وربما آلاف الأخبار المتواترة على مدار الساعة. أنباء عن دول تقبل التصريح الأولي، وأخرى تتأرجح بين القبول والرفض، وثالثة ترفض. وزراء خارجية يقطعون آلاف الأميال للتباحث. مؤسسات حقوقية تصدر بيانات لا يفصل بينها سوى دقائق. تهديد ووعيد هنا، وكرامة وعزة هناك. تكهنات تقدم نفسها باعتبارها معلومات هنا، وانتظار لما ستسفر عنه التحقيقات هناك.

وقبل انتظار التحقيقات والتصريحات، سارعت صحف أميركية وبريطانية إلى نشر مقالات رأي عناوينها رنانة، على شاكلة «جمال خاشقجي: ما يحتاجه العرب جداً هو حرية التعبير» «خاشقجي وزمن ما بعد الحقيقة» «خاشقجي يكشف النقاب عن عورات العالم العربي»، وغيرها كثير. وتحفل الصفحات بأخبار وتقارير نقلت خاشقجي من اسم معروف ومثير للجدل في عوالم صحافية وسياسية محدودة، إلى اسم يتداول أخباره سكان الكوكب.

سكان الكوكب الذين يختفي منهم المئات وربما الآلاف، بعضهم شخصيات عامة، والبعض الآخر مواطنون عاديون، ناهيك عن ملايين النازحين والمشردين والمهاجرين، يجدون أنفسهم في منافسة مباشرة على اهتمام العالم أمام الراحل خاشقجي.

ولا يفوتنا بالطبع الأوتار المشدودة والمسامير سابقة التجهيز التي تتسابق عليها بهدف الدق، منصات إعلامية معروفة التوجهات والأهداف. هذه المنصات لا تكتفي بمتابعة مجريات القضية، أو حتى تداعياتها من محادثات ومشاورات وتطورات، لكنها بقدر قادر، تخلط وضع الإقليم العربي بوضع خاشقجي. ولا يفوتها أن تخلط الحابل بالنابل، فتراها تقحم خلافات عربية في ملفات إعلامية مع قليل من خلطة سحرية عنوانها «كيف تشعل العالم بدقة زر؟».

أزرار العالم تبدو جميعاً موجهة صوب قضية خاشقجي. أميركا، بريطانيا، الاتحاد الأوروبي والزمرة المعروفة في منطقتنا. لكن التوجُّه شيء، والإيمان بقضية شيء آخر تماماً. التوجهات تمليها السياسات، وفرض مقاصد، وإعادة توجيه دفة علاقات، وتسيير أوضاع اقتصادية في قنوات دون أخرى، ومحاولات فرض توازنات دوناً عن غيرها. لكن الإيمان بقضية يظل إيماناً منزهاً عن هوى السياسة، وجوى الاقتصاد وشغف المصالح.

الغريب حقاً، هو أن بيننا من يرى في الهبة الكونية، باعتبار قضية خاشقجي مسألة أممية، أمراً عادياً، لا يستحق التفكير ولا يستوجب التدبير. مرة أخرى، اختفاء شخص أمر غير محمود، وعدم معرفة مصيره وضع غير مرغوب، واكتشاف موته حدث حزين، لكن الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بعقول قادرة على التمييز، وأدمغة قوامها التحليل.

ما يحدث في شأن خاشقجي ليس أمراً طبيعياً. والاهتمام الجارف لا يرتكز على مشاعر إنسانية «فقط». خاشقجي ظل شخصية ذات توجهات مثيرة للجدل. وقد ظل اسماً غير معروف على الإطلاق في مصر مثلاً حتى عام 2012، وتحديداً عقب الضربة الجوية القاصمة، التي تم توجيهها لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في ليبيا، بعد ذبح 21 مواطناً مصرياً، في مشهد شاب له الولدان، وهز وجدان الجميع. وبينما كل ذي عقل ومنطق يفهم ويؤيد ويبارك الضربة، إذ بخاشقجي يخرج بمقال عجيب، كتبه وكأنه يوجِّه نصيحة محب إلى مصر. وجاء في المقال أن «مجلس الأمن والمجتمع الدولي أنقذا مصر من الوقوع في فخ نصبه تنظيم «داعش» لها ولجيشها، عندما رفضا دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تدخل عسكري دولي في ليبيا. ففي غمرة الغضب والرغبة في الثأر بعد جريمة ذبح 21 مصرياً على يد فرع تنظيم «الدولة الإسلامية» بليبيا، تدافع كبار المسؤوليون والإعلام المصري يتنادون "الحرب الحرب"».

تعجب المصريون آنذاك من الموقف العجيب. وتردد بين البسطاء غير المسيسين أن الكلمات التي أثارت ضجة وغضب كبيرين، تعكس توجهاً أبعد ما يكون عن محبة مصر، وأقرب ما يكون إلى مودة قطر. وبالطبع، توالت تأرجحات خاشقجي، وهي تأرجحات لم تكن جديدة عليه. فبين مؤيد ومدافع اليوم، ومهاجم ومعارض غداً، اختار أن ينضم إلى معسكر مناهض لتوجُّه غالبية الأمة العربية. ورغم ذلك، يظل الاختفاء مكروهاً والموت مذموماً، لكن يظل أيضاً الولع بالقضية مشبوهاً، والانكباب عليها مربوطاً بما هو أبعد وأعمق وأخطر منها بكثير.

* كاتبة مصرية

تعليقات

تعليقات