المسح العالمي للقيم

ما زلت أتذكر جيداً ثلاثة أشخاص ممن كانوا يحملون راية العمل الوطني، إذ كانوا يقدمون مصلحة الوطن على مصالحهم الذاتية. وبعد نحو عشرين عاما صعقت حينما رأيتهم وقد تحولوا إلى أشخاص انتهازيين ووصوليين يقدمون مصالحهم الآنية الضيقة على مصالح البلاد بأسرها، وبحجج واهية تتناقض مع قيمهم وقناعاتهم الراسخة قبل عقدين.

هنا يتساءل المرء هل تتغير القيم بمرور الزمن؟ الإجابة نعم، وكان ذلك واضحا في المسح العالمي للقيم الذي طبق على نحو 100 دولة، فأظهر أن الشعوب تتأثر قيمها تبعا للعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعترضها وبمرور الوقت. فقد وجد العلماء في المسح العالمي للقيم الذي انطلق عام 1981 أن قيم البشر تغيرت في العقود الثلاثة الماضية «بصورة مذهلة»، على حد تعبير التقرير، خصوصا فيما يتعلق في نظرة الشعوب للزواج والأسرة، وكلا الجنسين. ولوحظ أن الدول المتقدمة صناعيا تتجه معا في اتجاه متماثل من القيم. ومن ذلك دول عربية أيضا أظهرت تغيرا ملحوظا في قيم كانت تعتنقها.

وهذا ما يحتم مسألة ضرورة قيام بلداننا بدراسة علمية وطنية مستفيضة لقياس قيم الأجيال الشابة وغيرها. أهمية ذلك تكمن في أن صراع الأجيال ما هو إلا صراع قديم بين جيل الآباء والأبناء. فحينما يحمل الابن قناعات أو قيما راسخة مثل ضرورة وضع حد لحياته حينما يخفق في النجاح أو في مواجهة مصاعب الحياة بعيدا عن الإيمان الحقيقي وحسن الظن بالله تعالى، حتما سيعاني في معترك الحياة. وهو تفكير خطير نابع من قناعات قيمية. عندما لا يوقر الصغير الكبير، ويكذب هروباً من كل مشكلة، ويسرق لأن غيره يغرف من المال العام بلا هوادة، ويشهّر لأنه لا يدرك أن حريته تنتهي عندما يبدأ بانتهاك خصوصية الآخرين، أو يزدري لأنه يعتقد أن عِرقه هو العِرق السامي، هنا يصبح هناك انقلاب حقيقي في مفاهيم القيم، يستدعي القلق.

أهمية قياس القيم أمر في غاية الأهمية فهو ليس كلاما إنشائيا. ذلك أن القيم تحرك الأفراد والمؤسسات والدول. فكل هدف في العالم لا بد أن يبنى على قيمة. ولذلك من أبجديات التخطيط الإداري والاستراتيجي الفردي والمؤسسي كتابة قائمة الأهداف التي تنبثق منها الأهداف. مثل الأمانة أو الإتقان أو الصدق. فلا يمكن أن تتخيل شخصا يحترم قيمة الأمانة فيخونها. ربما تتغير هذه القناعات بعد عقود أو بعد صدمة هائلة. لذا كان من المهم القياس الدوري للقيم في البلدان العربية. فحينما حدثت ما سميت بـ«ثورات الربيع العربي»، حتما كانت هناك قيم قد نسفت مثل الالتفاف حول قيادة مستقرة إلى القفز إلى المجهول من دون مشروع واضح وتوافقي فحل الخراب والدمار.

والقيم مهمة أيضا للبلدان، مثل حرية الرأي المكفولة في معظم الدساتير، فإذا ما مست أو أصيب من يعمل بها بأذى غضب الناس. لذا تجد فقرة في الدستور، كالدستور الكويتي مثلا، فحواها أن أي تغيير في مواد هذا الدستور يجب أن يكون نحو مزيد من الحريات، وليس التضييق عليها. وهي قيمة اتفق عليها الحاكم والمحكوم. وأذكر أيضا أننا سمعنا محاميا إنجليزيا يقول ذات مرة في هذا البلد (بريطانيا) تجنب اثنين لتنجو: المرأة والطفل. يقصد أن حقوقهما مكفولة ولا يتساهل بالإساءة إليهما. وفي الوقت نفسه نرى في بعض مجتمعاتنا مع الأسف الشديد، ظاهرة قلما تجدها في المجتمعات المتقدمة وهي التحرش الجماعي بفتيات. بكل تأكيد هناك خلل في القيم. فهناك مثلا من يعتقد أنه إن لم ترتد المرأة الزي الذي «يراه مناسبا» فهذا يحل له كل أنواع الإساءة!

لذا كان قياس القيم أمراً في غاية الأهمية حتى تبنى القرارات والأهداف المؤسسية على قاعدة من القيم التي يعتنقها الناس. ولا يجب أن نفترض أنها بديهية، وإن كان الشعب كله يدين بدين واحد. من هنا سررت حينما رأيت عدد الدول العربية يتزايد في المسح العالمي للقيم. وللإنصاف فإننا كأمة لدينا من القيم والنبل والشهامة ما يستحق أن نبني عليه مشاريعنا فليس كل واقعنا مأساويا.

 

* كاتب كويتي

تعليقات

تعليقات