ماذا حدث في البرازيل؟

لو أن هناك من عنوان لما يجري الآن في البرازيل فلابد أنه فشل النخبة السياسية والاقتصادية. ففي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، فاز مرشح اليمين المتطرف فصار قاب قوسين أو أدنى من الوصول للرئاسة في الجولة الثانية نهاية الشهر الجاري.

فبعد موجة من الغليان السياسي طوال الأعوام الخمسة الأخيرة، تبدو البرازيل كبرى دول أميركا اللاتينية وخامس دول العالم من حيث السكان، ستتصدر الأخبار في المرحلة القادمة.

وهي على أعتاب مرحلة جديدة من القلاقل ومزيد من الغليان السياسي. فمرشح أقصى اليمين، جير بولسونارو، الذي فاز بحوالي 46% من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، ليس وجهاً جديداً على الساحة السياسية البرازيلية. فهو عضو بالكونجرس البرازيلي وعرف دوماً بتصريحاته الصادمة خصوصاً عن المرأة والأقليات، حتى أن المراقبين حول العالم يطلقون عليه اليوم «ترامب البرازيلي».

لكن صعود بولسونارو ليس مرتبطاً بالمظالم الاقتصادية، في حد ذاتها، بقدر ارتباطه بشعور عام لدى الناخبين بفشل نخب اليمين واليسار التقليدي على السواء. فالقضية لدى المواطن صارت أن النخبة بكل أطيافها السياسية والأيديولوجية ساهمت في معاناته الاقتصادية، دون أن تضع اللوم على حالها أبداً.

فحين تولى الحكم في 2002 عامل الصلب وزعيم اتحاد العمال، لولا دي سيلفا، حدثت تحولات كبرى في البرازيل. فهو ركز على عدم المساواة الاقتصادية، فأنشأ برامج لرعاية الأسر الفقيرة من التعليم للرعاية الصحية، فضلاً عن برامج أخرى خصصت لمساعدة المرأة والأقليات العرقية بما في ذلك السكان الأصليون. لكن تلك السياسات التي اتبعها لولا كانت مثيرة للجدل خصوصاً بالنسبة للطبقات الأعلى.

وقد خرج لولا من الحكم لتتولى نائبته ديلما روسيف في عام 2010 وأعيد انتخابها من جديد في 2014 ليتعمق ذلك الجدل داخل المجتمع البرازيلي الذي عانى استقطاباً حاداً انتهى بعزل روسيف بتهم الفساد وتولي نائبها اليميني ميكيل تيمير الذي قام منذ توليه بالتراجع عن الكثير من المكاسب التي كانت قد تحققت للعمال والأقليات والمرأة.

غير أن عملية عزل روسيف نفسها عمقت من الاستقطاب السياسي في البلاد، مثلها مثل اتهام لولا دي سيلفا هو الآخر بالفساد وسجنه لاحقاً، فضلاً عن الاتهامات التي وجهت لتيمير نفسه وحزبه أيضاً بالفساد.

وفي خضم كل تلك الوقائع الكبرى المتلاحقة، بدأت معركة الانتخابات الرئاسية العام الجاري. وقد ترشح لولا دي سيلفا من محبسه للرئاسة وترشح معه فرناندو حداد نائباً، إلا أن المحكمة قضت بعدم جواز ترشح لولا فصار حداد هو مرشح الرئاسة عن حزب العمال. وقد دارت الانتخابات وسط شعور عام لدى المواطن البرازيلي بأن الطبقة السياسية بمجملها فاسدة.

وهو الشعور الذي تكرس مع اتهامات في سبتمبر الماضي لمرشحي الحزبين الأكثر قوة، حزب العمال والحزب المحافظ، بأنهما حصلا على تمويل انتخابي غير قانوني ومن جهات ضالعة في قضايا الفساد التي كان قد تم الكشف عنها فيما سبق.

فكانت النتيجة أن حصل جير بولسونارو بالجولة الأولى على 46% بينما حصل فرناندو حداد على 29% فقط من الأصوات، الأمر الذي يدفع بكليهما لجولة الإعادة نهاية الشهر الجاري.

ومن الجدير بالملاحظة أيضا أن بولسونارو له تأييد واسع لدى تيار اليمين الديني الكاثوليكي والبروتستانتي بالبلاد. صحيح أن البرازيل ذات أغلبية كاثوليكية واضحة إلا أن الكنيسة البروتستانتية حظيت بصعود لافت خلال الأعوام الماضية.

والخطاب السياسي لبولسونارو بالحملة كان حافلاً بالعبارات والتصريحات التي تستهدف ذلك القطاع تحديداً، خصوصاً في مهاجمته لحزب العمال اليساري ومواقفه من القضايا الاجتماعية والثقافية.

غير أن أخطر ما قدمه بولسونارو خلال الحملة الانتخابية هو تصريحاته بخصوص الديمقراطية البرازيلية. فهو قال إنه على استعداد لأن يتحرك «وحده» لحل مشكلات البلاد «التي لا يمكن حلها عبر الحوار الديمقراطي». ولعل هذا هو الفارق الأكثر أهمية على الإطلاق بين تداعيات فوز «ترامب البرازيلي» وبين ما يجري في الولايات المتحدة.

فأوجه التشابه بين الحالتين كثيرة، من التصريحات الحادة ضد الأقليات والمرأة، ومروراً باستهداف اليمين الديني كقاعدة انتخابية لليمين، ووصولاً للشعور العام لدى المواطن بفشل النخبة.

إلا أن المؤسسات الديمقراطية العريقة في الولايات المتحدة تختلف عن الحالة البرازيلية. فرغم أن هناك انهياراً في العمل المؤسسي في الولايات المتحدة بفعل الأداء غير المسبوق لإدارة ترامب، إلا أن المؤسسات الأميركية لا تقارن بنظيراتها البرازيلية.

فالديمقراطية البرازيلية عمرها حوالي ثلاثة عقود فقط ومن غير المرجح أن تملك مؤسساتها القدرة على مواجهة العصف بها، حال فوز جير بولسونارو. وما يجري في الأسابيع القليلة القادمة في البرازيل ستكون له تأثيراته بعيدة المدى على دول أميركا الجنوبية كلها.

 

 

 

تعليقات

تعليقات