«سيبرانية» عقلانية في زمن صعب

باستثناء المنطقة العربية الممسك بعضها بتلابيب الحرب التقليدية حيث الجماعات المتقاتلة، يقفز العالم سريعاً إلى حلبات صراع ذكية. صحيح أن دماء تراق فيها، لكنها لا تلطخ الطريق. وصحيح أن العامل الحاكم فيها هو القوة، لكنها قوة تكمن في مكوّنات الدماغ أكثر من عضلات الأذرع.

أذرع القوة المتفجرة حالياً اسمها البحث والدراسة، والتسليم بأن العالم الافتراضي لم يعد واقعاّ كامل المعالم فقط، بل بات ينافس العالم الحقيقي في الهيمنة.

هيمنة عناوين مثل الحرب العالمية الجديدة ستحظى بلايكات هائلة أو واشنطن تتعهد بدعم «ناتو» في الحرب السيبرانية على روسيا أو غوغل الروسي: عملاق التكنولوجيا الذي لا يعرفه كثيرون تقول الكثير لا عن مستقبل العالم، ولكن حاضره.

ومن الحاضر ومن قلب المؤتمر السنوي لمركز المراقبة والأبحاث الهندي Observer Research Foundation وهو أحد أكبر وأهم مراكز الأبحاث والفكر Think Tanks في نيودلهي يبحثون الدور الجديد الذي سيلعبه الإنسان في زمن المعلوماتية، وهو دور يهرب البعض من مجرد التفكير فيه.

محاولات الهروب من مصير محتوم وتطور تقني ومعلوماتي مؤكد من شأنها أن تواجه بفشل ذريع. والدلالات واضحة، ومنكرها ضعيف البصر منعدم البصيرة.

وزارة الدفاع البريطانية أعلنت الأسبوع الماضي عن برنامج تدريبي ضخم لتدريب وتأهيل ألفي طالب عسكري سنويًا ليشكلوا نواة قوة عسكرية عنكبوتية ضاربة. والضرب هنا معلوماتي، جانب منه وقاية في زمن السلم وهجوم في زمن اللاسلم. القوة الجديدة المرصود لها مليون جنيه استرليني سيكون قوامها 60 ألف عسكري مع قدوم عام 2024.

ومن 2020 إلى 2024 وبزوغ مخاوف من معاودة الأيادي العنكبوتية إلى الظهور والتأثير في الانتخابات الرئاسية الأمريكية والتي أعلن الرئيس الأميركي ترامب ثقته بالفوز بها. هذه الأيادي منسوب لها أيضًا اتهامات بريطانية بالتدخل لصالح التصويت لبريكست. وهي أيضًا معروفة الدور عربيًا في سنوات ما قبل وبعد وأثناء ما يسمى بالربيع العربي. إنها آثار جانبية – وربما رئيسة - لعصر المعلوماتية.

عصر المعلوماتية - الذي بحث خبراء وعلماء في مستجداته التكنولوجية والأمنية والمجتمعية في نيودلهي قبل أيام يحدثنا عن جهود ضارية يبذلها العديد من الأنظمة السياسية أملاً في السيطرة على المعلومات وتدفقها وخطوط سيرها على شبكة الإنترنت، وهي جهود لو تعلمون تكلل غالبًا بفشل وإن طال تبلوره.

المتبلور حتى اللحظة هو أن الدول التي تسارع في الخروج بتصورات قابلة للتنفيذ في مجال التقنيات القادرة على التنبؤ، بالإضافة إلى مسابقة الزمن في تعليم وتدريب وتأهيل مواطنيها للتعامل مع زمن هيمنة الذكاء الصناعي هي الأقدر على التعايش السلمي.

علينا أن نسلم بأن الذكاء الصناعي خرج من الشاشات المثبتة أمامنا ولم يعد حبيسها. أصبح الذكاء الصناعي كيانًا قائمًا بذاته وقوة بالغة تفرض نفسها فرضًا في كل تفصيل من تفاصيل حياتنا. أصبح إنترنت الأشياء إنترنت الناس! وما هذه الأدوات التي لا تفارق أيادينا، ولا تخلو منها غرفنا وقاعاتنا، إلا مكونات تمكنت من الامتزاج التام بحياتنا.

لكن تبقى معضلات كثيرة ومفاهيم عديدة في حاجة ماسة وسريعة للفهم والتحرك. ما هو دور الأنظمة السياسية في هذا المستقبل العنكبوتي؟ وما مآل الحدود الجغرافية المتعارف عليها؟ وهل مجال المعلوماتية العنكبوتية ومحتويات مواقع التواصل الاجتماعي – حلوها بمرها - ينبغي أن تترك من دون ضابط أو رابط؟ وفي حال كانت هناك حاجة للضبط والاستجابة للربط، فهل يستجيب الجميع من أجل إمكانية التطبيق؟ أم تظل جهود المغردين خارج السرب تسير عكس الاتجاه؟ وهل يجد زمن الذكاء الصناعي وهيمنة المعلوماتية بمواصفاته العابرة للحدود غير المعترفة بالفوارق نفسه حبيس نموذج مستنسخ من الواقع حيث القوة الحقيقية حاكمة، ومن يبرهن على قوة عضلية أكبر يتحكم أكثر؟!

وحيث إن القضايا المطروحة ما زالت إلى حد ما في مرحلة تسمح بتدخلات العقلاء ومشاركات الحكماء قبل فوات الأوان، فإن المناقشات تدور حول إمكانية تأسيس كيان أممي لضبط الإيقاع العنكبوتي، وتعريف المقصود بالمعلومات وملكيتها وقواعد ضبطها وأخلاقيات استرجاعها، والخطوط الرفيعة الفاصلة بين إتاحة المعلومات حول الأسلحة العسكرية المعتمدة على الذكاء الصناعي ومن يمتلك هذا وأثرها في الصراعات المسلحة بأنواعها. الجميع ينشد سيبرانية عقلانية في زمن المعمعة العنكبوتية.

وفي خضم هذه المعمعة المعلوماتية الضارية ومخاوف من أن تكون المنطقة العربية غائبة بعض الشيء، ينبئنا بروكنجز بأن دبي تقدم دروسًا لاستخدام الذكاء الصناعي في الحكومة المحلية. هذه القدرة على استشراف المستقبل حيث الخطوات الكبيرة المتخذة في مجالات التعليم والنقل والخدمات العامة تجعل من دبي بالفعل مركزًا دوليًا للثورة الصناعية الرابعة.

دبي - بحسب بروكنجز - تبزغ كنموذج للمدينة الذكية حيث الذكاء الصناعي المدعوم حكوميًا بالشراكة مع الشركات الرائدة والمستثمرين.

وربما لهذه الأسباب يأتي ذكر دبي مرارًا في مؤتمر هندي عن التكنولوجيا والأمن والمجتمع.

* كاتبة صحفية مصرية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات