الداخل الأميركي في خطاب ترامب وبعده

خطاب الرئيس الأميركي بالأمم المتحدة لم يكن موجّهاً لدول العالم وإنما كان موجّهاً للداخل الأميركي وتحديداً للقطاع الذي يدعم ترامب، لا كل الأميركيين بالمناسبة. وهو قطاع لا يهمّه كثيراً ذلك التناقض في مضمون ذلك الخطاب «الدولي»، خليطاً من أفكار ستيف بانون وجون بولتون.

فالضحك الذي قوبلت به إحدى فقرات خطاب ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كان مصدره استغراباً من لغة خطاب لا علاقة لها بذلك المحفل الدولي وأجندته. فالفقرة التي استجلبت ضحكاً، لم يتوقعه الرئيس الأميركي، كانت تلك التي قال فيها إنه «في أقل من العامين أنجزت إدارتي أكثر مما أنجزته أي إدارة في التاريخ الأميركي».

وترامب لم يتوقع أن تكون تلك العبارة مضحكة على أيّ نحو. فهو اعتاد أن يقولها في الداخل الأميركي كثيراً ضمن لقاءات جماهيرية يحضرها مؤيدوه في طول البلاد وعرضها. ورد الفعل الذي اعتاده فور أن ينطق بها هو التصفيق والتهليل.

لكن المحفل الدولي الذي ألقى فيه ترامب تلك العبارة ليس معنياً على الإطلاق بـ«إنجازات» إدارته ولا يهمّه المقارنة بين ترامب ومن سبقوه في رئاسة الولايات المتحدة. وزعماء العالم لا يذهبون للأمم المتحدة أصلاً للحديث عن مقارنة إنجازاتهم بمن سبقهم في حكم بلادهم، وإنما عن علاقاتها بدول العالم. ولا يقل أهمية عن ذلك، أن الولايات المتحدة لا تعيش في فراغ.

فلأنها الدولة العظمى، فإن العالم يراقب عن كثب ما يجري داخلها لحظة بلحظة، وبالتالي كان الحضور الذي يستمع لخطابه في ذلك المحفل الدولي المهم يعلم أن ما يقوله الرئيس الأميركي عن إنجازات إدارته داخلياً وخارجياً ليس دقيقاً، ما أدى لحدوث همهمات ضاحكة، أول الأمر، تحولت إلى عاصفة من الضحك حين تأكد الجمع من أن الرئيس الأميركي فوجئ برد الفعل.

لكن المفاجأة التي تلقاها ترامب لا تنفي على الإطلاق أن خطابه، الذي ألقاه أمام الأمم المتحدة، كان موجهاً للداخل الأميركي فعلاً، لا للحضور في القاعة. فهو خطاب موجّه للتيار المؤيد لترامب. فعلى سبيل المثال، من الطبيعي أن يتحدث زعماء دول جنوب العالم عن الدفاع عن سيادة بلادهم. فهي تعرضت على مر التاريخ للانتهاك من جانب القوى الكبرى.

لكن المدهش هو أن يتحدث زعيم الدولة العظمى الوحيدة في العالم عن «سيادة» بلاده ضد تهديدات المنظمات الدولية، التي طالما استخدمتها الولايات المتحدة لتحقيقها مصالحها على حساب مصالح الدول الأخرى. لكن مفهوم «السيادة» يأتي في الجوهر من أفكار تيار اليمين الشعبوي الذي يدعم ترامب.

ففي أوساط هذا التيار هناك انتشار واسع لنظرية مؤداها أن هناك مؤامرة سرية لإنشاء حكومة عالمية قمعية تحرم أميركا من سيادتها وتحرم مواطنيها من حرياتهم. وتوجد تنويعات كثيرة على تلك النظرية منها مثلاً أن الأمم المتحدة تسعى لإخضاع الأميركيين لسلطتها تمهيداً لإنشاء تلك الحكومة العالمية. وما قاله ترامب عن «رفض العولمة» يأتي هو الآخر من قاموس ذلك التيار.

فالعولمة الاقتصادية، عند هذا التيار، لم تكن الولايات المتحدة كما هو ثابت تاريخياً أحد صناعها وإنما هي أحد أشكال القمع من جانب تلك الحكومة العالمية، عبر اتفاقات تجارية واقتصادية «تدمر السيادة الأميركية» لأنها تسرق وظائف الأميركيين.

لكن الخطاب بدا في حقيقة الأمر خليطاً من تلك الأفكار، أي أفكار ستيف بانون، مستشار الرئيس السابق وأحد الرموز المهمة لتيار اليمين الشعبوي، الذي يجوب أوروبا ترويجاً لتلك الأفكار، وأفكار مستشار الرئيس للأمن القومي جون بولتون.

فبولتون يظل أحد عتاة المحافظين الجدد، الذين يؤمنون بضرورة هيمنة أميركا على العالم بل وبالإمبراطورية الأميركية التي لا يتورع هذا التيار عن الثناء عليها علناً والتأكيد على أنها «إمبراطورية خيرة».

فالخطاب الذي كان في جوهره شرحاً لأفكار «أميركا أولاً» التي يؤمن بها اليمين الشعبوي، هو نفسه الخطاب الذي تضمن تهديدات لدول عدة حول العالم كان على رأسها فنزويلا وسوريا وإيران، فضلاً عن الأمم المتحدة ذاتها. وبولتون شخصياً معروف عنه تبني تلك الأفكار بعينها حتى قبل أن يتولى منصب ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في عهد بوش الابن.

غير أن أكثر ما يؤكد على أن خطاب الرئيس الأميركي بالأمم المتحدة كان موجهاً للداخل الأميركي لا للحضور في ذلك المحفل الدولي هو ما قاله الرئيس عقب الخطاب.

فهو قال إن ضحك الحضور لم يكن ضحكاً «منه» وإنما كان ضحكاً «معه». فالحضور بالأمم المتحدة يعرفون بالضبط ما حدث. لكن ذلك ليس ما يهم ترامب على الإطلاق. المهم عنده هو ما سيعتقده جمهوره الذي يدعمه داخل أميركا نفسها، بخصوص ما جرى بالأمم المتحدة.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات