قبل أن تأكلنا بكتريا التجميد

على مدار سنوات سبع مضت، والأحاديث والأفعال والإيحاءات الدائرة رحاها في أرجاء عالمنا العربي تدور حول الخطاب الديني. وهي رحى تدق تارة على أبواب التجديد، وأخرى على بوابة التحديث، وكثيرًا ما تصطدم بموانع التفكير.

التفكير فيما آلت إليه أحوال عالمنا العربي في ضوء مجريات سنوات سبع يراها البعض عجافًا، ويعتبرها البعض الآخر سماناً، يؤدي بالعقلاء الحكماء إلى طريق اسمه تجديد الخطاب وتحديثه والنظر إليه بعين النقد دون الإخلال بالطبع بقواعد الضبط.

ضبط الحديث والتفكير عن أحوالنا العربية اليوم يقودنا إلى تعليق الآمال على البلدان التي تحمل في طيات تاريخها وصفحات حاضرها واستشرافات مستقبلها ما يشير إلى قدرتها الفكرية والثقافية مع إرادتها السياسية وقاعدتها الشعبية لتبدأ مسار التجديد قبل أن تأكلنا بكتيريا التجميد.

تجميد الخطاب الذي ظن البعض على مدى عقود طويلة أنه قابل للاستمرار على سبيل الوقاية من صداع النقاش، وجهد البحث، وعرق التحليل، انفجر في وجوه الجميع جماعات غارقة في التشدد من دون سند ومجموعات عائمة في الإرهاب من دون حدود.

الحدود الجغرافية والثقافية التي تعدتها جماعة مثل «داعش» وغيرها من أبناء عمومها، ممن تنتهج نهج التكفير من دون تفكير أفاقت العالم على واقع مرير. هذا الواقع الذي تتجرع المنطقة العربية القدر الأكبر من مرارته يستوجب أن تعقد العزم وتشد الرحال وتعلي الهمة لإنقاذ آني لما يمكن إنقاذه من أجيال حالية، ووقاية وحماية لأجيال قادمة لعل المنطقة تعاود مجدها وتستعيد ولو قدر من مكانتها في مسيرة التنوير.

مسارات تنويرية عدة وضحت معالمها واتضحت ملامحها عربيًا في سنوات ما بعد الربيع المتحول خريفًا. وحين تحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في يناير عام 2015 عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، وإشارته إلى أن ما يشهده العالم من ظواهر إرهابية يعود إلى الفهم الخاطئ لصحيح الدين، صُدِم كثيرون. تراوحت الصدمة بين إيجابية، حيث دق على وتر العودة إلى المفاهيم الوسطية التي تخدم البشر ولا تعذبهم، وتدفع بالإنسانية قدمًا دون أن تدهسها، وبين سلبية حيث ارتجف البعض وارتعد ظنًا أن التجديد يعني الإلغاء والتحديث لا يؤدي إلا إلى الإلحاد.

لكن بعد الصدمة تأتي الحكمة. وهل هناك ظروف مواتية أكثر من توافر فكر تنويري وإرادة سياسية لمن بيدهم الأمر في دول باتت محط أنظار العالم المتطلع إلى فك لوغاريتمات ما لحق بالإسلام على أيدي قوى التطرف ودعاة التشدد ورافعي راية الدين وهو منهم برئ؟

قبل أيام، تحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (رعاه الله) مع الدكتور حمدان بن مسلم المزروعي رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف عن ضرورة تطوير أداء الهيئة والالتزام بقيم المجتمع العربي الإسلامي، والتركيز على ما يحفظ الدين بعيدًا عن المغالاة. وشدد سموه على تأهيل وتفعيل مراكز تحفيظ القرآن الكريم لتؤدي رسالتها في تشجيع وتحفيز الشباب على تعلم أصول دينهم لتكون نبراسًا في رسم طريقهم للاستقامة والاعتدال والنجاح.

الاستقامة والاعتدال والنجاح: ثالوث وصفة التجديد والتحديث، وهو الثالوث الذي تلتقي عنده الدول العربية التي يُنتظر منها أن تفعل التجديد، لا لإرضاء العالم، أو لتلميع الصورة، أو لإبراء الذمة، ولكن لدفع المنطقة قدمًا علها تعوض ما فاتها، وتصلح ما أفسده من تجاهلوا حتمية التحديث.

وحين يتحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في غير مناسبة تارة عن ضرورة التجديد، وأخرى عن ماهية الدين التي تحولت من تسامح وتراحم وبناء إلى كراهية وضغينة ورفض للآخر، وثالثة عن حتمية مراجعة مواقف المعتقدين بأن الحرب في الدين هي الأصل والسلام هو الاستثناء، فإن هذا يعني أن الأفكار تتلاقى والأهداف تتوافق، ولا يتبقى سوى الانطلاق في مهام الإصلاح والتنوير.

إصلاح المنطقة وتنوير شعوبها والنهوض بشبابها مهام لا تحتمل التأجيل. ولحسن الحظ أنه رغم التهاب المنطقة، واستمرار وجود العديد من بؤر الإرهاب الملتحف بالدين هنا وهناك، إلا أن تجارب عدة وجهودًا كثيرة نجحت في الخروج إلى النور.

فمن تجربة الإمارات الثرية والفعلية في أن تكون مجتمعًا فاتحًا ذراعيه للتسامح والتعايش واحترام الآخر، ووعيها المبكر بالتغيرات المتلاحقة التي فرضها عصر تقنية المعلومات ودمقرطتها، إلى تاريخ مصر العريق في احتضان الجميع وتقبل الآخرين وريادتها في مجال التنوير- حتى وإن تعثر الطريق قليلًا أو هيمن على الخطاب من هم ليسوا أهلاً به في سنوات سابقة، يمكن القول إن المنطقة العربية موعودة بعصر جديد.

العصر الجديد قوامه تجديد المفاهيم وتحديثها، وإطاره الحفاظ على الثوابت وتوضيحها، وغايته تعويض الأمة عما فاتها، والانتقال السريع من مرحلة تلقي الوعظ والإرشاد من على منبر واحد إلى تبادل المعارف والخبرات عبر منصات متعددة، وتضميد الجراح التي نتجت عن عقود من التجميد والتجهيل.

طباعة Email