الدعابة والضحية

بعض أنواع الدعابة يدفع ثمنها «ضحية» من المستمعين. منها ما هو متعمد ومنها ما هو غير مقصود مطلقاً، كزلات اللسان. ومن أشهر أنواع الهجوم المتعمد على الضحية ما يروى عن الشاعر العظيم المتنبي من أن رجلاً أراد أن يحرج أبي الطيب فقال له: «رأيتك من بعيد فظننتك امرأة»، فقال المتنبي: «وأنا رأيتك من بعيد فظننتك رجلاً». وقيل أيضاً إن رئيس وزراء بريطانيا البدين تشرشل قال لبرنارد شو النحيف: «من يراك يا شو يظن أن بريطانيا في أزمة غذاء»! فقال شو: «ومن يراك يعرف السبب»! هذا النوع من الهجوم يرمي إلى التعريض لشخص بعينه وهو ليس مقصدنا لأنها نوع من الملاسنات أو «المواجهات المتكافئة» بين طرفين.

غير أن كثيراً من حالات زلات اللسان يدفع ثمنها ضحية ما. كأن يتندر المتحدث على أحد المستمعين فيضحك عليه كل الجالسين في غرفة الاجتماعات. والأسوأ حينما يظهر ذلك على شاشة التلفاز أو الهاتف ببث مباشر. مثل تلك الإعلامية الأميركية الشهيرة في فقرتها التقديمية لجوائز الأوسكار، التي لا تخلو من روح الدعابة، حيث قالت: «كثيرين تخرجوا من الجامعات» ثم أشارت بيدها إلى نجمة هوليوود فقالت: إيمي.. أنت كذلك تخرجتِ من الجامعة، أليس كذلك؟ فكانت إجابة الممثلة بالنفي! مما سبب لها إحراجاً، ربما لأنها لم تتوقع هذا السؤال في حفل يشهده الملايين، فالسؤال كان في غير موضعه. ثم «رقعت» المذيعة زلتها بقولها: وبالرغم ذلك لم يمنعك هذا من تحقيق جائزتي أوسكار!

المرء يضيق ذرعاً من الدعابة حينما تمس صلب كينونته أو هويته كشكله أو أصله أو حتى إخفاقه. خصوصاً وإن كانت تلك الأمور خارجة عن سيطرته.

ولحسن الحظ فإن حس الدعابة ليس مقصوراً على النيل من الآخرين. فهناك طرق عديدة لتحويل النكتة لكيلا تصيب فرداً أو فئة بعينها. فمن أشهر طرق تعمد جرح مشاعر الآخرين ما يسمى «الانتقاص الذاتي» أو الاستهزاء self-deprecating وهي أن يتندر المرء على نفسه، كجهله باللغة الفرنسية فيقول مثلاً كنت أعتقد «بروليه» علامة تجارية قبل أن أعرف أنها أحد أشهر أصناف الحلوى الفرنسية! ولاحظت مؤخراً أن النكت التي كانت تتندر على جنسيات أو قوميات بعينها بدأت تحور إلى مجموعة مجهولة مثل «المساطيل» أو «الأغبياء» أو «الحشاشين» وهي تحول ذكي لا يجرح شخصاً بعينه.

الدعابة مطلوبة لأنها تلطف الأجواء لكنها لا تليق إلا بمن يحسنها أو عندما يتطلبها الموقف. وهذا ما يفعله الإنجليز للتغلب على جديتهم عند الالتقاء بشخص غريب فيتندرون على حالة الطقس في بلادهم التي يعتبرونها مزرية. والدعابة تحتاج أحياناً إلى شيء من سرعة البديهة من دون الإساءة لأحد ولا يشترط أن تجعل كل الجالسين «يقهقهون» من الضحك. كل ما في الأمر رسم ابتسامة على محيا المتلقي. مثل ما يروى عن الإمام علي كرم الله وجهه، حينما سُئِل: «ما المسافة بين المشرق والمغرب؟» فقال: «مسيرة الشمس يوماً». ثم قيل له: «كم بين الأرض والسماء؟»، فقال: «دعوة مستجابة».

وأذكر الخطاب الشهير للرئيس الأميركي أوباما، الذي تدارك فيه صرخات الجمهور التي كانت تنبهه إلى أن المرأة الحامل الواقفة خلفه مباشرة كاد يغمى عليها، فاختل توازنها، وأوشكت على السقوط، قبل أن يسارع الرئيس للإمساك بها، ثم قال بابتسامة وسرعة بديهة «هذا ما يحدث حينما أطيل عليكم في خطاباتي»! وهذه كلها مؤشرات على أن الدعابة لا يجب أن تبنى على ضحية من أحد المستمعين.

تعليقات

تعليقات