التكرار «ما يودّي دار»

وقف مؤسس شركة Apple الراحل ستيف جوبز ملقياً كلمة في حفل تخرّج دُعي إليه، قبل أن يختم تلك الكلمة المؤثرة نظر لوجوه الطلاب وكأنه أراد أن يعوا جيداً ما سيقوله ثم أردف بصوتٍ هادئ: «خلال الثلاثة والثلاثين عاماً الماضية، كنتُ أنظر للمرآة صباح كل يوم ثم أسأل نفسي: (لو كان هذا آخر يومٍ لي في الحياة، فهل كنتُ سأقوم بما أقوم به حالياً؟) فإنْ وجدت الإجابة (لا) لعدة أيام متتالية حينها كنت أتيقّن أنّه لابد من تغيير بعض الأمور»!

النفس البشرية ذات ارتباط شديد بالنمطية وتكرار السلوكيات، تبحث عما عرفته وأَلِفَته وليس شرطاً بأن تُحبه، تنساق طوعاً لما يفعله البقية حتى لا تبدو شاذّة عن المجموعة، ولست هنا في مقام انتقاد هذه النزعة البشرية لأنّه مما فُطِرَ عليه الناس أو نما وتراكم مع الأيام ولم يعد بالمقدور الخروج عنه خاصة إنْ كان نَسَقاً مجتمعياً، بل لا أُغالي إنْ قلتُ بأنّه مطلوب لضمان وجود تناغم وتفاعل إيجابي دائم بين أفراد المجتمعات البشرية، ولكن ذلك لا يعني أن تؤخَذ هذه النمطية وتُطبَّق على كل شيء، فبعض المنعطفات المفصلية تحتاج خروجاً على ما ألِفَته النفس أو أطّرت به المجموعة نفسها!

عندما أراد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، أن يُعزّز أبجديات التحضّر في مجتمع ما زالت نسبة كبيرة منه من البدو أيقن، رحمه الله، أنّه لابد من دفع الناس للخروج من نظرية أو عقيدة الأنماط هذه، فقال كلمته الشهيرة: «اعطوني زراعة أضمن لكم حضارة»، كان يعلم أنّ الزراعة هي الخطوة الأولى لكي تبدأ المجتمعات رحلة التمدن وصولاً لمرحلة الازدهار فيما بعد، وكان يعلم أن الإنسان إذا مارس الزراعة سَهُلَ عليه معرفة خطوات النجاح، لأن الزراعة تحديداً تمثل نهج تخطيط استراتيجي متكامل تبدأ بحسن اختيار البذور واختيار أفضل الأماكن الصالحة للزراعة ومعرفة نوع المحصول المطلوب ثم المرور في سلسلة متدرجة ومتأنية من المراحل لكي تنمو الأراضي حسب الفترات الزمنية المطلوبة مع ضرورة دوام الرعاية والمتابعة والتعاهد بالسقيا والتخلص من النباتات الطفيلية وصولاً لمرحلة قطف الثمار، هو أمر لم يعرفه كثير من البسطاء من قبل، لكن كان من الضرورة كسر النمطية مِن أجل مستقبل مختلف و«إعادة ضبط» الذهنية الفردية لتتعامل مع المستجدات بطريقة ملائمة ومن خلال نسق فكري جديد!

في السياق ذاته ومنذ أيامه الأولى في القوات المسلحة كان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يسلك نهجاً مختلفاً في التعامل مع عقود شراء الأسلحة وبناء القدرات العسكرية لدولتنا في خروج مبتكر عن النمطية المعتادة في أغلب الدول، عندما قام باستحداث مبادرة لنقل المعرفة وليس الاكتفاء بشراء منتجات جاهزة فقط من خلال إنشائه لمكتب التوازن الاقتصادي «الأوفست»، لم يقبل بأن تتضمّن أوراق الصفقات أسلحة فقط بل لابد أن تكون معها المعرفة التقنية أوالـKnow how لمعرفة أسرار بناء هذه المنتجات وليس طريقة استعمالها فقط، وهو الأمر الذي قطعت معه قواتنا المسلحة أشواطاً بعيدة في تأسيس وإكمال بنيتها الأساسية والولوج في عالم التصنيع العسكري بثقلٍ نوعي وطفرة تقنية لم تُعهَد في هذه المنطقة من العالم!

عندما تضع نُصب عينيك نتيجة مختلفة عمّا تتحصل عليه حالياً، حينها لابد أن تقوم بتغيير ما تقوم به، لابد من أن تمتلك القدرة على تغيير المعتاد ورفض النمطية والصبر على تشكيك المفلسين فكرياً وأصحاب الطموحات «الصِفرية»، كل هدف عظيم تسعى له لا يُمكن الحصول عليه بجهدٍ عادي، وكل غاية كبيرة تستلزم أن تغيّر كل ما تقوم به نوعاً وكمّاً، أمّا مجرد الترحال في أحلام اليقظة والبقاء بعمل ما اعتدت عليه دون تغيير فلن يؤدي بك إلى أي مكان سوى المكان الذي أنت فيه.

الخروج من النمطية يحتاج لقائد ملهم يستطيع استفزاز الشغف في نفوس أتباعه لينظروا للأمور بطريقة مختلفة، ما لم يتغيّر الإيمان أو القناعة الداخلية وإلا لن يتغيّر شيء، لأن الحياة مع العادات يُشْعِر الإنسان بالأمن دوماً، فكل ما حوله مما يألفه أو يستطيع التحكم به أو التأثير فيه أو تقبله، وتكرار ما اعتاد عليه أمر سهل ومحمود العواقب كما يظن هذا الإنسان، لكن الأيام تُثْبِت لنا أنّ التغيير هو الدائم وهو الثابت الوحيد، وما كان من سلوك نافعاً في الماضي فقد لا يكون كذلك حالياً، وطريقة التعامل مع وضع أو مشكلة معينة لا يمكن أن تبقى دوماً ثابتة لأن المتغيرات الخارجية دائمة التغيّر، وتكرار الحلول نفسها قد يُسبّب مشكلات أكثر تعقيداً إنْ لم يتم النظر للأمور وفق اختلاف ظروف الحاضر وتنبؤات المستقبل المغايرة.

انظر للمرآة كما فعل ستيف جوبز واسأل نفسك إن كان مسار حياتك الحالي هو ما تريد الدنيا أن تذكرك به بعد رحيلك، إن كان كذلك فـ«خير وبركة»، وإنْ لم يكن فقد حان وقت أن تُحدِث نقلة في حياتك، هذه النقلة لن تأتي بعمل الأمور نفسها والقناعات الحالية التي تدور بذهنك ذاتها، إنْ أردت نتائج مختلفة فلابد أن تكون مدخلاتك وأساليبك وحجم جهدك ونوعيته مختلفة كثيراً، التفكير الخلاق والجهد المضني والصبر الدؤوب هي ما يخلق الفارق دوماً، أمّا التكرار فما يودّي دار!

تعليقات

تعليقات