الهجرة واللجوء.. الإطار التاريخي للظاهرة

بين بداية القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، ساد تنافس دام بين القوى الدولية المتنفذة للسيطرة على مناطق الثروات الطبيعية ومحاولات بسط السيطرة والنفوذ في جهات الدنيا الأربع. ولم تأفل تلك الحقبة الممتدة؛ التي تخللتها حربان عالميتان، حتى كانت قارتا أفريقيا وآسيا قد وقعتا بكاملهما إلا قليلاً، تحت هيمنة التيجان والعواصم الأوروبية.

في النموذج الأميركي، اتخذت الغنيمة نمطاً تخطى استحلاب الثروات المادية إلى استجلاب الطاقات البشرية؛ المنتقاة على أساس قدرات الإنتاج والعطاء. وهو أسلوب أفرغ القارة السمراء من عشرات ملايين العناصر الشابة الفتية. ويشهد مؤرخون غربيون عدول، كأرنولد توينبي وول ديورانت، أنه كان من شأن هذه الظواهر الاستعمارية إعاقة المسار الحضاري لما عرف لاحقاً بشعوب العالمين الثالث والرابع؛ وديمومة وقوعها في لجة التخلف ومثلث الفقر والجهل والمرض.

الانطلاق من هذه الوقائع يعد ضرورة منطقية لتفهم أهم حيثيات ظاهرة الهجرة واللجوء من مجتمعات الجنوب؛ التي باتت على رأس أجندة هموم دول الشمال المتقدمة. فالانتشار بالسيف ومحاولة فرض النمط الحضاري الغربي على الخلق واستغلال مواردهم، كانت بالمعنى العميق نوعاً من العولمة الضارية، وما ظاهرة الهجرة واللجوء إلا نتاجاً وحصاداً متأخراً لهذه الظواهر.

الملاحظ أن دول الشمال؛ التي تنازعت وتصارعت ذات حين على غنائم عالم الجنوبيين، تعيش اليوم حالة من الشقاق والتلاوم المرير حول كيفية التصدي لظاهرة الهجرة واللجوء وتوزيع أعبائها. ولو أن هؤلاء المتجادلين تحروا الأمر بشكل موضوعي، لأدركوا حجم مسؤوليتهم التاريخية عن نشوئها وتطورها، وضرورة المساهمة في وضع حلول أكثر جذرية لها، تعادل هذه المسؤولية وتكفر عنها.

العولمة في ردائها الاستعماري أفرطت في استغلال مجتمعات الجنوب وتشويه طبائعها المختلفة. وحين غادر المستعمرون هذه المجتمعات، تحت أغشية رقيقة من الاستقلال السياسي، لم يتركوا خلفهم سبلاً راسخة للإقلاع الاقتصادي والتنمية الحقيقية متعددة الأبعاد. وقد يصح هنا الاعتقاد بأنه لو اضطلع (الرجل الأبيض ) حقاً وصدقاً بالرسالة التي صدع رؤوس الناس بالحديث عنها، لما برزت ظاهرة الهجرة واللجوء؛ التي تفشت على نحو بالغ في العقد الأخير!

ندفع بهذا التقدير وفي الذهن أن الناس عموماً لا يغادرون أوطانهم ومجتمعاتهم ومساقط رؤوسهم، ولا يفارقون ملاعب أحلامهم وذكرياتهم وأحانينهم، بسهولة. ومن باب الاستطراد الموحى أن نذكر هنا بميل الكثيرين من الأميركيين السود إلى زيارة المواطن التي تحدر منها أجدادهم، وانتزعوا منها عنوة في أفريقيا، ومحاولة التواصل مع أصولهم القبلية بوسيلة أو أخرى.

الرافضون في عالم الغرب للهجرة والمهاجرين، يغالطون أنفسهم ويخالفون جزءاً من سيرهم التاريخية، حين ينسون أن أسلافهم هم الذين بادروا بعبور البحار والمحيطات وحطوا رحالهم في بلاد الجنوبيين. وأن بعض هؤلاء الأسلاف أسسوا لما عرف بالمجتمعات الاستيطانية في هذه البلاد، واتخذوا منها أوطاناً بديلة لهم. بينما هم ينكرون الآن على بعض الجنوبيين شد الرحال إلى الشمال، ليس على سبيل الاستعمار الاستيطاني أو غير الاستيطاني، وإنما تحرياً لمجرد لقمة العيش وفرص أفضل للحياة، لم توفرها عهود السيطرة الغربية الطويلة في أوطانهم.

المفارقة هنا أن نشطاء الأوساط والقطاعات الاجتماعية والقوى السياسية الشوفينية الغاضبين من الهجرة والمهاجرين، هم أنفسهم الذين انبرى أجدادهم قبل قرنين للدفاع عن غزو أهل الجنوب، بدعاوى نشر رسالة طهرانية الشكل استغلالية المحتوى واستعلائية الجوهر. وفي أوج حالتهم العصابية هذه يغفلون، ولعلهم يتغافلون، عن حقيقة أخرى مفادها أن مجتمعاتهم بحاجة ماسة الآن لسواعد هؤلاء المهاجرين وأحيانا لعقولهم. ذلك لتعويض التناقص المستمر التي تعانيه كياناتهم الاجتماعية وماكيناتهم الاقتصادية في بعض قطاعات العمل. فعجاف النمو السكاني وهرم الأعمار المقلوب عندهم لصالح كبار السن والعجزة، لا يكفي لمغالبة هذه المعاناة.

الشاهد أن المعالجة المجدية لقضية الهجرة واللجوء، تبدأ من تحليل علاقتها بظاهرة العولمة، بشكليها الاستعماري القديم أولاً ثم الاقتصادي الحديث والمعاصر تالياً. ونحسب أن مقود هذه الظاهرة كان ومازال في يد عواصم عالم الغرب المتقدم في شمال المعمورة.

تعليقات

تعليقات