الجماعات المنعزلة

تتكون لدى الجماعات المنعزلة أرواح منعزلة وعقل منعزل، ولا يمكن لهذه الجماعات أن تلد من رحمها الشخصية الفردية، والذات الواعية لمكانة ذاتها خارج الجماعة.

بل تنشئ الكائن الذي لا يعي وجوده إلا بوصفه تعيناً لوجود الجماعة. ولهذا يظل كائناً في حالة ما قبل الذات. ولأنه يظل في حال الكائن ما قبل الذات فإن التضحية بذاته من أجل ما تطلبه الجماعة يغدو أمراً سهلاً. فالجماعة العنصرية، والجماعة الطائفية، والجماعة الدينية والجماعة الأيديولوجية والجماعة الحزبية السرية جماعات مكونة من أفراد ليسوا واعين لقيمة وجودهم الفردي.

وبالتالي ليسوا واعين لقيمة الآخر بوصفه فرداً، وتأسيساً على وعي كهذا يتأسس عنف الجماعة المعزولة، العنف الذي يرونه طريق بقاء وخلاص. وعنف الجماعة المنعزلة الواعية لعزلتها يحملها على القناعة المطلقة بأن كل عنف مباح خدمة للجماعة.

جميع الجماعات المنعزلة هي ضد المجتمع المفتوح، بلغة كارل بوبر، فلا يقودها وعيها المغلق إلا إلى تصور المجتمع المغلق. ولهذا فالفاشية اتسعت أم ضاقت هي جوهر كل جماعة مغلقة. فهي تخلق شعاراتها المقدسة، وراياتها وأعلامها ورموزها من «الأبطال» والقادة وأزيائها وعلاماتها الفارقة.

تخلق الجماعة المنعزلة طقوساً متنوعة لتأكيد عصبيتها التي تجعل منها كتلة متجانسة، ومناسبات متتالية لتظهر قوتها وانتمائها العميق للعصبية، وللاستماع إلى السردية العامية المحشوة بالمصطلحات المتكررة التي تثير غريزة القتال.

وليس هذا فحسب، بل إن بعض الجماعات المنعزلة الأيديولوجية، والأيديولوجية الدينية على وجه الخصوص، تميز نفسها بزي محدد. وبخاصة في إحياء المناسبات والأعياد الخاصة بها، وهذا يعمق أيضاً من تماسكها الفاشي.

والكائنات التي تكون الجماعة الفاشية المنعزلة بعد أن تغرق في طقوسها وسرديتها وعصبيتها تفقد أي نوع من أنواع الإرادة الحرة، فهي مغتربة اغتراباً مطلقاً في الكتلة، وخاضعة خضوعاً كاملاً للأمر، وعقلها خالٍ خلواً تاماً من الحس النقدي.

ولهذا فإنها تنتقل من الحالة الإنسانية الغائية إلى الحالة الآلية الأداتية، ويتحول الكائن الحي إلى كائن ميكانيكي حركته من خارجه. وهو أشبه بالساعة الميكانيكية القديمة التي لا تعمل إلا إذا عبأها صاحبها بالحركة الميكانيكية، وتتوقف حركتها عند انتهاء مدة الحركة.

والجماعات المنعزلة التي تحدثنا عنها ظاهرة تاريخية معبرة عن التأخر التاريخي - المجتمعي، التي تحتفظ بالوعي الخلاصي، وبالمخلص. إنها غالباً جماعات تصبغ على آمالها وأحلامها المتناقضة مع الواقع الذي تعيشه حالة من الوهم المقدس، فوعيها هو استمرار للوعي الأسطوري القديم. ولفكرة الخلاص اللاهوتية.

وإذا كان هذا هو شأن الجماعة المنعزلة فإن شأن الجماعة المنفتحة هو على النقيض منها تماماً. فالجماعات المنفتحة هي ثمرة المجتمع المنفتح وخالية من أية لوثة أيديولوجية متعصبة.

فالجمعيات الأهلية ذات الطابع الإنساني، والاتحادات المهنية المعبرة عن المصالح الحياتية، والروابط الأدبية والعلمية ذات الأثر المعرفي والجمالي والمنتديات الثقافية عموماً وما شابه ذلك من جماعات طوعية هي جماعات منفتحة على الحياة الواقعية والمأمولة انطلاقاً من واقعيتها. وهي تضم كائنات انتقلت إلى مرحلة الشخص - الذات الواعية لموقعها الكريم والحر في الحياة.

وإذا كان ما يميز الجماعات المنعزلة الإكراه بكل الصور المختلفة، فإن الجماعات المنفتحة هي جماعات ممارسة الحرية والالتزام الحر بالقيم السامية.

ولعمري: فإن الصراع الْيَوْمَ في عالمنا العربي هو صراع بين الجماعات المنعزلة المغلقة والجماعات المنفتحة الحرة. وفي ضوء هذا الصراع سيتحدد مستقبلنا.

 

تعليقات

تعليقات