العراق وغياب ثقافة المعارضة

أصبحت منطقة الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مسرحاً لشتى أنواع الصراعات السياسية والدينية والطائفية والثقافية التي تهدأ أحياناً وتلتهب أحياناً أخرى بدرجات متفاوتة لأسباب محلية وأخرى خارجية.

ولأهمية المنطقة جغرافياً واقتصادياً حظيت السياسات المتقلبة لدولها باهتمام الأسرة الدولية وقلقها في الوقت نفسه خاصة بعد أن تحولت في السنوات الأخيرة إلى مرتع للإرهاب الذي لم تقتصر آثاره المدمرة على شعوبها بل تجاوز ذلك إلى مناطق عدة من العالم مما ضاعف الاهتمام بالثقافات السائدة في المنطقة .

وبالجذور التاريخية للتعقيدات الظاهرة والكامنة لمجتمعاتها. إلا أن معظم الدراسات التي صدرت عن مختصين وعن مراكز البحوث حول ذلك اقتصرت إلى حد بعيد على تسليط الضوء على الأحداث وعلى القيادات التي صنعت سياسات الشرق الأوسط منذ البدايات الأولى من القرن العشرين من منظور ما تتسم به هذه المنطقة من تشنجات تبرر ميل شعوبها لتقبل حكومات مركزية قوية غالباً ما تكون استبدادية.

هذه الدراسات عدا ما صدر منها في الآونة الأخيرة لم تعر لقوى المعارضة سوى القليل من الاهتمام متجاهلة بشكل ملحوظ التطرق إلى دورها في صناعة خزين الرفض للأوضاع القائمة الذي سيعمل لاحقاً على تقويض الاستقرار ونشر الفوضى في المنطقة وتعريض دولها وشعوبها لشتى أنواع المخاطر.

ولعل ما يدعو للدهشة في سياق الصحوة التي نشهدها أن يدعو سياسيون عراقيون مخضرمون ممن خبروا الواقع العراقي، في غمرة المناظرات الدائرة حول أزمة تشكيل الحكومة وتفادي تفاقمها، إلى إعادة العمل بمبدأ التوافق وتشكيلها بحيث تضم جميع الكيانات الفائزة في الانتخابات بحجة «عدم توافر أو اكتمال ثقافة المعارضة الآن ولا حتى في المنظور القريب نتيجة الظروف والتحديات التي يعيشها العراق».

والحقيقة أن من الصعب الاقتناع بجدية الحديث عن إقامة نظام ديمقراطي حقيقي في العراق مع تجذر ثقافة الاستهانة بالرأي الآخر لدى سياسيين بارزين فيه.

هذه الدعوة تتطلب بعض التوقف عند مَهمات المعارضة البرلمانية التي لا تتجاوز التشكيك برجاحة السياسات التي تنتهجها الحكومة وكشف ما تتستر عليه ومساءلتها أمام الجمهور وليس بالضرورة السعي للإطاحة بها، فالمعارضة تحت قبة البرلمان وسيلة لتنفيس الأزمات والحد من تفاقمها عند انتقالها إلى الشارع وأداة لتقويم سياسات الحكومة حتى لو كانت هذه المعارضة صغيرة الحجم غير قادرة على تشكيل تهديد جدي لها.

أما حين تكون المعارضة كبيرة الحجم ومن لون واحد تصبح بمثابة حكومة بديلة أو حكومة ظل تتحدى سياسات الحكومة القائمة وتضع بدائل مختلفة حيثما كان ذلك مناسباً .

كما هو الحال في عدد من الدول الغربية كبريطانيا والولايات المتحدة. المعارضة ليست مجرد جهة تعمل على مناكفة الحكومة وخلق المتاعب لها، فهناك مناسبات تتفق فيها مع الحكومة حين تكون السياسات المعتمدة في بعض القضايا مدعومة على نطاق واسع وقائمة على أسس سليمة.

هناك ما هو غريب حقاً في أجواء مجلس النواب العراقي، فعلى مدى ثلاث دورات انتخابية لم نشهد موقفاً يطرح فيه أسئلة اعتراضية على السياسات المتبعة أو القرارات المتخذة علماً أننا شهدنا على مدار سنين هذه الدورات تظاهرات واعتصامات احتجاجية في مختلف المدن العراقية لها مطالب مشروعة، قمع بعضها بما لا يتفق مع ما ورد في الدستور من حقوق للتظاهر.

وهذا يطرح سؤالاً مهماً: أليس لهؤلاء المتظاهرين الذين تبلغ أعدادهم عشرات وربما مئات الألوف صوت أو أصوات تمثلهم في مجلس النواب؟

لا أحد ينفي حقيقة ضعف ثقافة المعارضة في الوسط السياسي، فهناك قناعة لدى قطاعات واسعة من المجتمع بعدم نضج التجربة الديمقراطية أصلاً، لأن نظام التوافق السياسي القائم لم يسمح بممارستها بشكل صحيح على مدى الخمس عشرة سنة المنصرمة. إلا أن هذه الإعاقة لا تبرر الاستهانة بها وعدم فسح المجال لها لممارسة دورها، إذ كيف يمكن إنضاجها من غير أن تتاح الفرصة لحضورها سياسياً لأداء دورها.

إن عدم وجود معارضة داخل قبة البرلمان لا يعني عدم وجودها في مكان آخر فهي تهدر بصوت مرتفع في شوارع المدن وساحاتها، ففي معظم الدول الديمقراطية قلما نشهد تظاهرات تنظمها المعارضة لأن أصوات ممثليها ترتفع بشدة في البرلمان نفسه.

 

تعليقات

تعليقات