جون ماكين والشرق الأوسط

غيب الموت السناتور الجدلي جون ماكين من ولاية أريزونا يوم السبت 25 أغسطس قبيل أربعة أيام من عيد ميلاده الثاني والثمانين بسبب سرطان الدماغ، والذي اكتشفه الأطباء قبل عام تقريبا. وقد اشتهر ماكين بمواقفه المختلفة عن السائد حتى انه لقب بـ«المغرد خارج السرب». ولم تخل وفاته من خلاف، حيث تردد البيت الأبيض في تنكيس العلم، كما انه أوصى بعدم دعوة الرئيس دونالد ترامب لمراسم جنازته، رغم أنه أعلن أن منافسيه السياسيين جورج بوش الابن وباراك أوباما، واللذين انتزعا من ماكين فرصة الدخول إلى البيت الأبيض، سيحضران مراسم دفنه.

ويعتبر ماكين من صقور الحزب الجمهوري وسليل عائلة عسكرية، حيث كان جده ضابطا رفيعا، وكذلك والده الذي وصل إلى رتبة أدميرال في البحرية الأميركية وقائداً لمنطقة الباسيفيك. وقد حذا ماكين حذو والده وجده في الانضمام إلى البحرية الأميركية حيث خدم كضابط طيار. وقد كسب شعوره الوطني من هذا النشء السياسي والاجتماعي حيث أبصر النور في قاعدة عسكرية أميركية في بنما وتشرب منها الدفاع عن مصالح أميركا في الخارج منذ ولادته.

وقد كلفه حماسه للتداخلات الأميركية في الخارج الكثير. ففي أثناء حرب فيتنام، تطوع ماكين للمشاركة في هذه الحرب والتي تعتبر حينها أسوأ حرب خارجية تخوضها الولايات المتحدة. وقد أسقطت طائرته وأسره الفيتناميون. ولم يكتفوا بوضعه في السجن ولكن أذاقوه أصناف التعذيب مما أبقى أثرا واضحا عليه إلى مماته.

والمفارقة أن هذه المحنة لم تجعل من ماكين غريماً للحروب، بل بالعكس فلم يكن هناك حرب لم يهوها قلب ماكين. فبعد عودة ماكين من فيتنام بعد إطلاق سراحه من الأسر استقبل استقبال الأبطال، واستثمر تضحياته وسمعته البطولية في المشاركة السياسية والتي أوصلته إلى مجلس النواب أولا، ثم إلى مجلس الشيوخ والذي ظل عضواً فيه، وانتخب لست فترات، إلى أن فارق الحياة.

ومن موقعه كمشرع دعم السناتور حروب أميركا الخارجية. بل انه في أثناء حملته الانتخابية للرئاسة دعا إلى قصف إيران. وقد أيد ماكين العقوبات على إيران كما دعم الرئيس دونالد ترامب حين ألغى الاتفاقية النووية مع إيران. وكانت مواقفه دائما متشددة تجاه طهران.

وبالنسبة لإسرائيل فإن ماكين لا يغرد خارج السرب في مجلس الشيوخ. بل يقود مجلس الشيوخ في التأييد المطلق للدولة العبرية. ويعد ماكين من أكبر حلفاء إسرائيل في مجلس الشيوخ وقد أيد السناتور الراحل نقل السفارة الأميركية إلى القدس. وغرد حينها انه كان «منذ أمد بعيد دائم الاعتقاد بأن القدس حقا عاصمة إسرائيل». كما أن ماكين كان داعما لحروب إسرائيل ضد الفلسطينيين. ففي 2014 دعم ماكين قصف غزة والذي ذهب ضحيته كثير من المدنيين. كما أيد من قبل هجمات إسرائيل على الفلسطينيين.

ولا غرو انه حين أعلن عن وفاته، فإن قادة إسرائيل والصحف نعته بكثير من العواطف الجياشة، وأعلنت أن إسرائيل فقدت اهم أصدقائها في الولايات المتحدة. وقد عبر رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو عن حزنه العميق لفقدان صديق عظيم لإسرائيل. وكان ماكين قد أعرب في دعابة أن ممارساته كلها تتوافق مع العقيدة اليهودية ولم يبقَ له إلا أن يعتنق الديانة اليهودية!

وحين قرر الرئيس جورج بوش الأب الحرب على العراق بسبب غزو الكويت كان ماكين من أكبر الداعمين للرئيس. وحين قرر بوش الابن غزو العراق وجد الرئيس حليفاً في السناتور الراحل والذي أيد قراره بقوة. ولكن بعكس كثيرين من الذين روجوا ودعموا الغزو، فإن ماكين اعترف بخطأ الغزو. ولكنه أيد زيادة القوات في العراق لحسم المعركة لصالح الحكومة المدعومة من واشنطن.

كما أن ماكين كان له موقف مبدئي من تعذيب سجناء الحرب حيث عانى ماكين من التعذيب حين أسر في حرب فيتنام. وقد عارض ماكين إدارة بوش الابن في إدارة معسكر غوانتانامو، كما انه انتقد بشدة تعذيب وإذلال سجناء معسكر أبو غريب.

وبالنسبة للحرب في سوريا، فقد دعا مكين منذ بداية الثورة السورية إلى تدخل أميركي. كما شجع الرئيس دونالد ترامب بعد الضربات العسكرية بتكثيف الحملة العسكرية وتوقيف الطيران السوري من العمل وخلق مناطق آمنة داخل سوريا لإيواء المدنيين. وكما جاء في التقارير الإخبارية، فإن ماكين أعلن انه لا يمكن أن يكون هناك حل سياسي مادام بشار الأسد في سدة الحكم.

سيذكر ماكين بأشياء كثيرة قام بها خلال خدمته الطويلة، ولكن سيتذكره الكثيرون كمحارب قديم عشق الحروب، ولم يفوت فرصة لدعم وقوعها!

 

 

تعليقات

تعليقات