إطلالة على المشهد السياسي العراقي

بعد ما يقرب من أربعة شهور على إجراء الانتخابات التشريعية العراقية في مايو المنصرم كشفت اللقاءات التي عقدتها الكيانات السياسية الفائزة عن شدة الانسدادات في مسالك الخروج من أزمات العملية السياسية مع ظهور إرهاصات العودة لنقطة البداية وإعادة إنتاج عوامل الإعاقة الأساسية «المحاصصة». إذ لا يتداول الحديث عن الكتلة الأكبر وعن من يتبوأ منصب رئيس الوزراء سوى قيادات محسوبة على مكون معين من المجتمع العراقي وهو ما ينطبق على من يتداول أسماء من يتبوأ المنصب الرئاسي للدولة وعلى من يتداول أسماء من يتبوأ منصب رئاسة مجلسها النيابي.

العدد الأكبر من الكيانات السياسية حسمت موقفها في خندقين أي منهما لا يمتلك من الأصوات ما يسمح له بتشكيل الحكومة، الخندقان في انتظار ما تقرره الكتل السنية والكردية التي تأخرت عن بقية الكيانات في تقرير موقفها وهي تُقارب المفاوضات مع الآخرين بحذر شديد وتعمل على صياغة شروط وتطالب بضمانات على تحقيقها خاصة أن كلاً من المكون السني أو الكردي أصبح بمثابة بيضة القبان في تقرير مصير العملية السياسية.

للمرة الأولى قد يكون هناك ما هو إيجابي في العملية السياسية وهو أن الحكومة القادمة ليست توافقية يشترك فيها الجميع إذ سيكون هناك كيانات مستبعدة ستجد نفسها في موقع المعارضة نأمل أن يكون دورها إيجابياً.

لا نكشف سراً حين نقول بأن التوافق الأمريكي الإيراني على مدى الدورات الانتخابية السابقة هو الذي يحسم تسمية رئيس الوزراء، ففي المشهد السياسي العراقي يقوم بريت ماكغورك ممثل الرئيس الأميركي بزيارات مكوكية لبعض أطراف العملية السياسية ويقوم قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني هو الآخر بمثلها في عملية لي أذرع اشتدت حدتها بعد تصديق المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات التشريعية. واشنطن لا تخفي انحيازها نحو الكيان الذي يضم العبادي وإيران كذلك لا تخفي انحيازها للكيان الذي يضم المالكي.

إلا أن من الصعب القول بأن التوافق الذي استدامه الطرفان الإيراني والأميركي حول مسارات الأحداث في العراق سوف تديمه إدارة الرئيس ترامب التي لا تقيم علاقاتها مع الآخرين وفق مبدأ التكافؤ بل وفق مبدأ الانفراد في صناعة القرار. فمن المستبعد في ضوء ذلك أن يكون لإيران ما كان لها في المرات السابقة من دور في تحديد مسارات العملية السياسية في العراق.

الولايات المتحدة لا تشكو من شح الخيارات السياسية في التعامل مع الشأن العراقي فهي قادرة على الدخول في المناورات المعقدة وإدارتها باقتدار بحكم ما يتوافر لديها من موارد متعددة اقتصادية وسياسية ودبلوماسية وعسكرية واستخبارية وخبرات متنوعة في إدارة الأزمات في مناطق متعددة من العالم.

فهي قادرة على إيصال أي توافق يتعارض مع رؤاها إلى حالة الجمود والفشل خاصة أن تشكيل الحكومة العراقية شديد الصلة بالموقف الأميركي من إيران التي سبق لها أن استفادت من البوابة العراقية المشرعة أمامها للتخفيف من العقوبات المفروضة عليها قبل التوقيع على الاتفاقية النووية عام 2015.

الإعاقة التي نشهدها في تشكيل الحكومة ترجع إلى طبيعة العملية السياسية وإلى ممارسات نخبها، فعلى خلاف ما ألفه العراق في الانقلابات العسكرية من مجيء قيادات جاهزة تتولى مقاليد الحكم منذ الساعات الأولى، جاء التغيير في 2003 بمشروع سياسي من نوع مختلف جوهره الاستئناس برأي الشعب في عملية انتخابية فشل أي من الداخلين في حلبتها أحزاب وأفراد على مدى الخمس عشرة سنة في الحصول على قناعة شعبية واسعة بأهليته، نزاهة وكفاءة، للقيادة لأسباب عديدة بعضها ذاتي يتعلق بالكيان السياسي وقادته وبعضها موضوعي يتعلق بالتعقيدات الناشئة عن تعدد المرجعيات في المجتمع العراقي وهو مما سمح بظهور عشرات الكيانات السياسية.

في ضوء ذلك نستطيع تفهم الصعوبات التي تعترض تشكيل الحكومة، فكثرة الكيانات السياسية تفسر ظاهرة لجوئها إلى التحالفات والدخول في مساومات وتوافقات قد لا يعلن عن بعضها، وهي ظاهرة أصبحت متأصلة في الحياة السياسية في العراق في حين أن اللجوء للتحالفات ظاهرة طارئة في معظم الدول الديمقراطية يُركن إليها في حالة الأزمات فقط.

أمران يشغلان بال المواطن العراقي ويأملهما من الحكومة القادمة أولهما أن يكون نهجها عراقياً بعيداً عن التأثيرات الخارجية وثانيهما الذي لا يقل أهمية هو انحيازها نحو نبض الشارع المنتفض عن حق في عرض مطالبه التي لم تلق حتى الآن ما تستحق من اهتمام.

 

ـــ كاتب عراقي

تعليقات

تعليقات