مصير ترامب تحسمه انتخابات نوفمبر

منذ أن دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب البيت الأبيض، وهو يحقق نجاحاً كبيراً في بناء صورته كونه رجلاً قادراً على تحقيق الانتصار في كل المعارك التي يخوضها.

وما كان أكثر هذه المعارك وأقساها بالنسبة لرجل يحمل ماضي رجل أعمال مثير للجدل، كما يحمل صدمة الفوز غير المتوقع في انتخابات ضربت- لأول مرة- الثقة الأميركية في النفس بعد انكشاف التدخل الروسي فيها.

صمد ترامب لكل هذا، واتخذ موقف الهجوم وبدأ يقلب الطاولة على الجميع، ويدخل في صدام مع أجهزة الأمن، وجهات التحقيق ومؤسسات العدالة، والإعلام الأميركي القوي. وفي الوقت نفسه الذي يعاني فيه من اضطراب العمل، داخل البيت الأبيض وفي أركان إدارته، الذين توالى خروجهم أو إبعادهم. كان ينجح في عبور الأزمة تلو الأخرى، ولا يكترث بالإعلان عن انحيازه لنموذج الحاكم الذي يمسك بكل مفاتيح السلطة في دولة تقدم نفسها نموذجاً للتوازن الدقيق بين السلطات.

الثلاثاء الماضي كانت محكمتان أميركيتان تشهدان سقوط رجلين من كبار رجال الرئيس في قبضة القانون. أمام محكمة ولاية فرجينيا صدر قرار المحلفين بإدانة بول مانافورت الرئيس السابق لحملة ترامب الانتخابية في ثماني تهم من بينها الاحتيال والتهرّب الضريبي، وهي تهم تعرّض الرجل الذي يقترب من السبعين لأحكام تصل حدودها العليا إلى السجن عشرات السنين.

وفي الوقت نفسه تقريباً كان مايكل كوهين المحامي الخاص السابق للرئيس الأميركي يقر بمسؤوليته عن ثماني اتهامات تتصل أيضاً بالتحايل المالي والتهرب الضريبي، لكنه كان- ولا شك في أن ما حدث في هذا اليوم- يمثل علامة فارقة تتجاوز آثارها مستقبل ترامب إلى مستقبل الحياة السياسية في أميركا. ينفتح الباب أمام تطورات قانونية وتشريعية وسياسية لا يعلم أحد إلى أين تصل.

أصبح مفهوماً لماذا يقاتل ترامب منذ توليه الحكم من أجل إغلاق ملف قضية التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة، وأصبح واضحاً أن التحقيقات التي يشرف عليها المحقق الخاص المنتدب لهذه القضية روبرت مولر تستند إلى أسس ومعلومات، وأنها ليست «مطاردة ساحرات وهمية» كما وصفها ترامب.

وأصبح مؤكداً الآن أن إغلاق هذا الملف أصبح مستحيلاً، وأن السؤال لم يعد حول «احتمال» التدخل الروسي الذي كان ترامب ينكره في البداية، بل عن مدى تورط ترامب في الأمر، وعن إثبات هذا التورط بالأدلة الدامغة والاعترافات الموثقة.

ووسط حالة الجدل السياسي والقانوني التي غرقت فيها أميركا، وأخذت معها الدوائر السياسية في العالم كله. كان الرئيس الأميركي ترامب نفسه هو السبّاق لإثارة قضية احتمال عزله، والتحذير من آثارها التي يراها كارثية على أميركا وعلى اقتصادات العالم كله.

«أسواق العالم ستنهار. وسيصبح الجميع فقراء» هكذا جاء تحذير ترامب، وهو باليقين يعرف أن احتمال العزل ما زال بعيداً، وأن طريقه ما زالت دونه عقبات كبيرة، لكنه كان يدرك أن الضربة التي تلقاها قاسية، وأن عليه أن يحاول جاهداً منع الأسوأ بعد أن أصبح مصيره ـ لحد كبيرـ معلقاً بالانتخابات التشريعية في نوفمبر المقبل، والتي تحولت ـ بعد قرارات القضاء في الثلاثاء الماضي إلى واحدة من أهم الانتخابات في تاريخ أميركا.

على الجانب الآخر كان تلويحه بأن عزله سيجعل أسواق المال تنهار وسيحيل الجميع إلى فقراء. يأتي كونه رسالة استغاثة بأنصاره لكيلا ينفرط العقد، ولكي يمنعوا أن ينتصر «الديمقراطيون» في انتخابات نوفمبر بصورة ساحقة تضمن لهم الأغلبية المطلوبة، التي تجعل مستقبله في البيت الأبيض رهن قرارهم!

يعلم ترامب أن جزءاً من الجمهوريين «نحو الربع» لم يعودوا متحمسين له مثل باقي أنصاره من اليمين المتطرف والعنصريين البيض والإنجيليين الصهيونيين ويدرك أن عليه أن يعيد هؤلاء الجمهوريين «المعتدلين نسبياً» لصفه بتخويفهم من آثار عزله التي ستحيلهم إلى فقراء وستضرب أسواق المال وتنتشر البطالة!

يقاتل ترامب الآن على الجبهتين، أي يمنع رجاله من الجلوس على كرسي الاعتراف ليقدموا لجهات التحقيق ما يثبت تورّطه في جرائم قد تصل لحد الكارثة لو أكدت تورطه في التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية،

ثم أن يمنع انتخابات نوفمبر أن تكون بمثابة كلمة النهاية في حكمه. يعرف أن فوز الديمقراطيين بأغلبية مقاعد مجلس النواب مرجح بشدة، لكنه يراهن على أن عزله يتطلب أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ. ولهذا يبقى التأييد الكامل لترامب من الجمهوريين هو الضمانة لعدم عزله. والمفارقة هنا أن الديمقراطيين هم الحريصون الآن على عدم إثارة قضية عزل ترامب من قريب أو بعيد، حتى لا يتوحد الجمهوريون في الدفاع عنه ويزداد إقبالهم على انتخابات نوفمبر.

وأظن أن الديمقراطيين إذا امتلكوا المقاعد التي تعطيهم القدرة على عزل ترامب، بأنهم سيفضلون ألا يقدموا على هذه الخطوة، إلا إذا اضطروا لذلك بسبب اتهامات دامغة تثبتها التحقيقات القضائية.

وفي انتظار الحسم في نوفمبر، ستظل المفارقة قائمة: الديمقراطيون لا يتحدثون عن عزل الرئيس. وترامب يطلب الإنقاذ لأن عزله سيحيل أميركاـ كما يقول ـ إلى عالم الفقر ويحيل أسواق العالم إلى ملاعب للفوضى (!!).. وبين الفريقين، تظل التحقيقات تجري والمحاكمات تتم، ويبقى مصير ترامب معلقاً بما سيقوله «رجال الرئيس» حين يجلسون على كرسي الاعتراف!

 

* كاتب مصري

تعليقات

تعليقات