نحو إرادة مستقلة

يمر العالم بتحولات عميقة وتغيرات كيفية تؤسس لروح جديد مختلف، حتى ليصعب على العقل أن يقبض عليها، ويرصد مآلاتها على نحو مطمئن لمعرفته أو توقعاته.

فمع زوال الدولة السوفيتية وما رافقها من تغيرات في طبيعة العلاقات الدولية وعلاقات القوة، ومع احتلال العراق وما ولده من نتائج على مجمل الإقليم، بل والعالم، ومع انفجار ما يسمى «الربيع العربي» وما تمخض عنه من تغير في طبيعة القوى المتناظرة، والجديد في عالم النفط وأسعاره وإنتاجه وخطوطه، والتحول في سياسة الولايات المتحدة بزعامة الديمقراطيين وعلى رأسهم أوباما، ومع سياسة ترامب البازارية، يعيش العالم نمطاً من الفوضى التي تحتاج إلى عقل تاريخي كي يمتلكها على نحو نظري، ويجعل منها أساساً لممارسة العرب السياسية التي يجب أن تأخذ في الحسبان حركة التاريخ العميقة.

وليس بخافٍ على أحد من علماء السياسة ومفكريها وصانعيها أن فقدان الدول الفاعلة، وبخاصة الولايات المتحدة، للريادة في مواجهة مشكلات العالم قد زاد من حدة الفوضى المعيشة الآن، فانزواء أميركا -أوباما- ترامب عن مواجهة المشكلات التي ولٰدتها مرحلة بوش الأب وبوش الابن، وانشغال دول الاتحاد الأوروبي بأزماته الاقتصادية الداخلية، واتجاه الصين نحو زيادة معدلات نموها الاقتصادي، كل ذلك قد ترك المشكلات العالمية، وبخاصة المشكلات الإقليمية في المنطقة، تجري وفق نمط من الصراعات ليست أقلها الصراعات بين القوى غير المتناظرة.

ولو تأملنا حال الإقليم الشرق أوسطي، وبخاصة المنطقة العربية منه، فسنجد أنفسنا أمام صعود لدور الدول الإقليمية على أنحاء مختلفة إلى جانب القوتين الكلاسيكيتين، أميركا وروسيا.

فما زالت إيران تُمارس سياسة الدولة الساعية إلى الهيمنة على بلدان عربية كاليمن وسوريا ولبنان والعراق عبر استغلال طائفي وميليشيات محلية ودعم عسكري ومالي، مهددة بذلك استقرار المنطقة، لا سيما أنها لا تستطيع الهيمنة إلا بغياب الدول ذات السيادة، بل إن زعزعة أمن المنطقة، بوصفه سياسة إيرانية، يقوم على إذكاء الصراع بين القوى الإرهابية اللامتناظرة، كالصراع بين الحركات الإرهابية الشيعية المسلحة «حزب الله في لبنان، وميليشيات الحق وبدر وحزب الله في العراق، والحوثيين في اليمن وداعش والقاعدة» المخترقين أساساً مما يسمى الحرس الثوري الإيراني.

والحق أن ترك إيران بهذا العبث الخطير بأمن المنطقة ومصيرها من قبل الولايات المتحدة قد زاد من صلف هذه الدولة التي وجدت في الاتفاق النووي زيادة في نزوعها نحو الهيمنة، التي تواجه الآن آثار انسحاب أميركا منه بنوع من التصعيد.

فضلاً عن ذلك، فإن إسرائيل تجد نفسها هي الأخرى لاعباً وحيداً في فرض خياراتها على العرب والفلسطينيين، خصوصاً بدعم كامل من الولايات المتحدة الأميركية، وعجز عربي مريع.

وقس على ذلك تركيا التي تبني علاقاتها مع الاحتلال الروسي - الأميركي - الإيراني على أساس الحصول على حصة من الكعكة السورية. وتحدد مواقفها من العراق وسوريا على أساس مشكلاتها مع الأكراد، وليس على أساس آخر.

كل هذا يطرح أمام العرب، وبخاصة تلك الدول التي تعيش حالة من الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، سؤلاً مهماً جداً جداً، ألا وهو: كيف السبيل لأن نشكل قوة إقليمية عربية فاعلة لتحقيق هدفين معاً: تحقيق منعة داخلية مواجهة لكل تهديد خارجي من جهة، والدخول طرفاً فاعلاً ووحيداً في حل مشكلات البلدان العربية التي فقدت حال استقرارها من جهة ثانية.

ويجب أن تكون مواجهة الحركات الأصولية العنفية المسلحة كداعش والنصرة والحوثي وحزب الله وما شابه ذلك من ميليشيات في سوريا ولبنان والعراق ومصر وليبيا واليمن مواجهة عربية قبل كل شيء، لأن الخطر الحقيقي لهذه الميليشيات هو خطر على العرب قبل كل شيء، بل لا يقاس خطرها المحدود على الغرب خطرها على الحياة في بلداننا.

أجل، إن التفكير عربياً الْيَوْمَ يجب أن ينطلق من أهمية استقلال الإرادة العربية في التعامل مع مشكلات المنطقة، والحيلولة دون أن تتدخل دول الإقليم المحيطة بالعرب برسم مستقبلنا على هواها.

 

 

تعليقات

تعليقات