إحياء أفكار التفوق الأبيض

كانت مفارقة لافتة الأسبوع الماضي أن يتزامن استهداف ترامب لاثنين من مشاهير السود مع اهتمام الصحافة الأميركية بالرئيس الأميركي الذي يشبهه ترامب أكثر من غيره. ووجه المفارقة هو أن كلا الرئيسين اللذين وقع عليهما اختيار الإعلام كانا معاديين حقوق السود.

فقد كتب الرئيس الأميركي على «تويتر» يتهم دون ليمون «بغباء جعل ليبرون جيمس يبدو ذكياً، وهو أمر يصعب حدوثه». وليبرون جيمس هو لاعب كرة السلة الأسود الشهير، وصاحب المشروعات الخيرية الضخمة لخدمة الفقراء.

وكان قد وجه انتقاداً لترامب في لقاء تليفزيوني مع الإعلامي الأسود اللامع دون ليمون، فصار الاثنان هدفاً لسخرية الرئيس. والحقيقة أن السمة الرئيسة لتعامل ترامب مع السود، والأقليات عموماً، هي أنه لا يلقي بالاً للدلالات التاريخية لعباراته.

فاتهام السود «بالغباء» ظل طوال التاريخ الأميركي أهم أدوات أنصار التفوق الأبيض لإضفاء صفات الدونية على السود. ورغم كثرة الأصوات التي انتقدت ترامب، فإن ليبرون جيمس اختار ألا يدخل في سجال مع الرئيس.

وقد تزامنت تلك الواقعة مع سجال آخر دار في الصحف الأميركية حول الرئيس الأسبق الذي يشبهه ترامب أكثر من غيره. والمفارقة أن الاختيار لم يخرج عن رئيسين، كلاهما حكم في القرن التاسع عشر، أحدهما قبل الحرب الأهلية، أندرو جاكسون، والثاني بعدها مباشرة، أي أندرو جونسون.

فرغم أن ترامب يضع بالمكتب البيضاوي صورة ضخمة لأندرو جاكسون تعبيراً عن إعجابه به، رأى بعض المراقبين أن الرئيس الأكثر شبهاً بترامب هو أندرو جونسون، لا أندرو جاكسون.

وأندرو جاسكون هو الرئيس الذي حكم الولايات المتحدة من 1829 وحتى1837. وهو معروف بكتب التاريخ التي يقرؤها الأميركيون بأنه كان «بطلاً» عسكرياً، وبأنه اتخذ إجراءات جعلت النظام السياسي الأميركي أكثر ديمقراطية. لكن الثابت أن جاكسون كان شعبوياً، مثل ترامب، وكان فظاً عنيفاً ومسؤولاً عن الكثير من مذابح السكان الأصليين.

كما كان واسع الثراء، مثل ترامب، ولم يكن فقط مدافعاً قوياً عن العبودية، ويمتلك العبيد، كغيره من الرؤساء في عصره، وإنما كان يتاجر في العبيد ويضارب على الأراضي. وقد اكتسب صفة «البطل» حين كان قائداً عسكرياً انتصر في حرب 1812 قبل أن يصبح رئيساً، التي خاضها ضد البريطانيين والسكان الأصليين.

لكن واقع الأمر أن المشروع الرئيس لفترة حكم جاكسون كان «إزالة السكان الأصليين» من أراضيهم لإفساح الطريق للمستوطنين البيض، ولذلك حظي بشعبية كبيرة لدى فقراء البيض الذين كانوا جوعى لامتلاك تلك الأراضي.

ورغم أن جاكسون كان شديد الثراء، فإن تلك السياسة أقنعت أولئك الفقراء البيض بأنه نصيرهم ضد «نخب واشنطن». وهو بالمناسبة كان يؤمن بنظرية المؤامرة، وأن هناك «قوى خارجية تتآمر مع سياسيين» في واشنطن.

وجاكسون لم يخف وحشيته تجاه السكان الأصليين الذين كان يعتبرهم «آكلي لحوم البشر». وفي الحروب التي خاضها ضدهم كان يقتلهم ويأمر بسلخ جلودهم لتستخدم في صناعة لجام الخيل، كما كانوا وقتها يقطّعون أنوف أولئك الضحايا للتباهي بعددهم

. وفي عهده جرت أهم فصول إبادة السكان الأصليين، فهو المسؤول عما صار يعرف في التاريخ الأميركي باسم «مسار الدموع» في 1830 الذي اقتلع السكان الأصليين من أراضيهم، ومات خلال رحلة النزوح الآلاف منهم.

ونظراً لما تمتع به جاكسون من كارزما، فقد خاض الانتخابات دون كلمة عن برنامجه وانتخبه الناس علي أساس شخصيته، وهو التحول الذي لا يزال سائداً في أميركا حيث تتمحور الانتخابات حول شخصية المرشح لا برنامجه.

أما الرئيس أندرو جونسون، فلم يكن أقل فظاظة من جاكسون ولا أقل معاداة لحقوق السود، فقد حكم بعد الحرب الأهلية مباشرة، حيث تولى الرئاسة في 1865 لحظة اغتيال إبراهام لينكولن، الذي كان نائباً له. ومثله مثل ترامب، كان جونسون من أشد المعجبين بأندرو جاكسون، لكن على عكس جاكسون وترامب، كان جونسون من أصول متواضعة.

ولينكولن اختار جونسون نائباً له لسبب وحيد هو أنه كان مؤمناً ببقاء ولايات الجنوب في الاتحاد الأميركي رغم علمه بإيمان جونسون بأفكار التفوق الأبيض.

فالحرب الأهلية التي خاضها لينكولن كانت نتيجة مباشرة لرغبة ولايات الجنوب في الإبقاء على العبودية أو الانفصال عن الاتحاد.

وحين تولى جونسون الرئاسة بعد الحرب وتحرير السود من العبودية، سعى للإبقاء على ولايات الجنوب داخل الاتحاد بشروطها، وهو ما كان يعني حرمان السود من حقوقهم، فجونسون نفسه كان معادياً لحقوق السود، وهو صاحب العبارة التي تتردد كثيراً لدى أنصار التفوق الأبيض حين قال إن «هذا بلد الرجل الأبيض وسيظل بلد الرجل الأبيض ما دمت رئيساً»، لكن على عكس ترامب، وقف حزب جونسون في الكونجرس ضده وكاد يعزله من الحكم.

اللافت للانتباه في كل ذلك أن أفكار التفوق الأبيض صارت حاضرة بقوة في المجتمع الأميركي اليوم أكثر من أي وقت مضى طوال الستين عاماً الأخيرة.

 

 

تعليقات

تعليقات