الجيش جيش الشعب

انتهى شهر يوليو، لكن السجال السنوي المعهود والمكرر، مازال دائراً في الوسط الإعلامي، بين من يرون أن ثورة 23 يوليو 1952 كانت وبالاً على البلاد والعباد، وبين من يتصدون لتلك القراءة السطحية لوقائع التاريخ، ويستخفون بسياسات غدت من العلامات التي صكت وقائعه.

فالثورة كما يقول منتقدوها جاءت ونحو 10% من الأراضي المصرية تحتلها القاعدة البريطانية في مدن القناة، وكان الجنيه المصري يساوي ثلاثة دولارات وجنيهاً استرلينياً، وعند رحيل زعيمها جمال عبد الناصر في سبتمبر عام 1970، كانت إسرائيل قد انتصرت على ثلاث دول عربية، وبات نحو 20% من مساحة مصر تحت الاحتلال الإسرائيلي في شبه جزيرة سيناء وتدهور سعر الجنيه المصري، وكبد القرار الخاطئ بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس مصر، حرباً استعمارية من ثلاث دول، خسرت فيها مئات الملايين من الجنيهات، بينما كانت ستسترد إدارة القناة سلمياً، بعد انتهاء عقد إدارتها الدولي تلقائياً في العام 1968!

ولأن الدول الاستعمارية لا تبقشش على أحد، ولأن السياسات لا تقاس بمعيار الخسارة والربح فقط، لكن بالنتائج التي أحدثتها، فإن قرار تأميم القناة كان حتمياً بعد رفض الولايات المتحدة والدول الغربية تمويل بناء السد العالي.

والقناة التي كانت تحت الإدارة الأجنبية، ويديرها مرشدون غربيون، وتمتلك بريطانيا 44% من أسهمها، يصبح من المثالية القول إن قوى استعمارية شيدت نهضتها بنهب موارد الشعوب واستغلالها، كانت ستسلم طواعية إدارتها للحكومة المصرية في أي وقت، وبعث صمود الشعب المصري في العدوان الثلاثي عام 1956، ورفض عبد الناصر للاستسلام ودعوته للمقاومة، روحاً جديدة خلاقة لم تقتصر نتائجها على مصر وحدها.

بل تخطتها إلى أنحاء الأمة العربية، التي قدمت دولها كل أشكال الدعم الرسمي والشعبي لكي تصد مصر عن نفسها هذا العدوان، ورفضت بجانب ذلك سياسات المحاور والأحلاف، بما شكل تحدياً للدول العظمى، وأضحى نموذجاً يحتذى لدول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

كان واحداً من أسباب استمرار ذلك السجال، القرار الجسور الذي أصدره الرئيس السيسي، وأعلنه في الاحتفال بتخريج دفعات جديدة من طلاب الكليات والمعاهد العسكرية، بمنح قلادة النيل للعقيد أركان حرب يوسف صديق (1910-1975) ليصحح به خطأً دام 65 عاماً، منذ استقال صديق من مجلس قيادة الثورة، بعد عام من قيامها، لاعتراضه على الطريقة التي كانت تحكم بها البلاد.

ويوسف صديق هو أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار، الذي أدى تحركه ليلة 23 يوليو، إلى إنقاذ الثورة من فشل محقق، حين استولى علي مبنى قيادة الجيش واعتقل قيادته التي كانت مجتمعة للتفكير في كيفية التصدي للثورة، بعد انكشاف أمرها، ولولا هذا التحرك المبكر نحو ساعة من الموعد المحدد لها، لما نجحت الثورة، وهو ما اعترف به جمال عبد الناصر في خطبة له عام 1963 قائلاً: إن يوسف صديق قد لعب دوراً أساسياً في إنجاح ثورة يوليو.

وفي حوار معه قبل رحيله، سئل يوسف صديق عما استخلصه من تجربته العسكرية، فأجاب بحسم: إن الجيش قد أصبح من الوعي، بحيث لا يمكن استخدامه ضد الشعب، أو لمصلحة فرد، وأنه سيكون دائماً جيش الشعب وفي خدمة الشعب. وينطوي كلام يوسف صديق على واحدة من أهم القيم وأرفع المبادئ التي رسختها ثورة يوليو، وهو الدور الوطني البارز الذي تلعبه المؤسسة العسكرية دفاعاً عن مصالح الشعب والوطن. وقد عبر يوسف صديق عن هذا المعنى شعراً في قصيدة له تقول أبياتها:

ضعوا الأقلام وامتشقوا الحساما، فرب السيف قد حمل الوساما، هي الدنيا صراع لا اقتناع، بغير الجيش لن نحيا كراما، ومن نادى بغير الجيش يهذي، وعن نور الحقيقة قد تعامى.

 

 

تعليقات

تعليقات