ثقافة التطفل

هل يمكن النظر إلى التطفل بوصفه ذهنية لجماعات بشرية؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا؟ وهل هناك وسيلة للتبرؤ من التطفل؟ وما التطفل؟

نقول لمن لا يعلم بأن الطفيلي صفة منسوبة إلى شخص يدعى طفيل، وهو رجل من أهل الكوفة من بني عبد الله بن غطفان، كان يأتي الأعراس والولائم من دون أن يدعى إليها. فنسب إليه كل من يفعل فعله.

ومن اسمه اشتقت الأفعال والأسماء. ثم اتسع مفهوم «التطفل» حتى صار ينسحب على كل فعل يقوم به المرء دون أن يكون أهلاً له.

غير أن وجه الخطورة في التطفل لا يعود إلى وجود جمهور من المتطفلين، بل في أنه صار ثقافة لاشعورية عامة، بحيث لم يعد العربي ينتبه إلى سلوكه التطفلي. حتى صار التطفل صورة للسلوك تجاه الآخر، على نحوٍ ظاهر جداً، أجل تظهر ثقافة التطفل بوصفها نقيضاً للمعقولية.

ما الذي يحمل شخصاً على سؤال آخر رَآه مصادفة في الطريق: إلى أين أنت ذاهب. وقد لا ينتظر جواباً، لكن السؤال صار عادة، إنه سؤال تطفلٍ بكل معنى الكلمة، سؤال ثقافة تطفل.

ها أنت جالس في المطعم أو المقهى مع صديق عزيز وبينكما حديث خاص، يأتي شخص، يسلم ويجلس من دون أي إحساس بالذنب، من دون أي دعوة له بالجلوس يقطع حديث الصداقة الذي لا نريد لهذا الآخر الذي جلس معنا أن يسمعه. إنه يرى الأمر عادياً جداً. إنها ثقافة التطفل.

يسألك - مع ابتسامة نصر وكأنه ألقى عليك القبض. متلبساً بجرمك المشهود - من تلك الفتاة الجميلة التي كانت جالسة بقربك في المسرح؟ فتتذكر أنك كنت مع صديقك فقط، وربما تكون هذه المرأة زوجة أحد الجالسين في الصف الذي تجلس فيه. وحين تجيبه أنه لم تكن هناك أي امرأة بجانبي يعاود الابتسام دلالة على أني أنكر، هب أن المرأة التي كانت بجانبي تخصني ما علاقتك أنت بذلك. إنها ثقافة التطفل.

يسألك من دون حرج: ما الذي يحملك على صداقة فلان، لماذا وافقت على إجراء حوار مع فلان.. وقس على ذلك من أسئلة التطفل التي لا يراها السائل تطفلاً، إنها ثقافة التطفل.

هذه الأشكال من التطفل تظل محدودة في أثرها السيئ، لأنها تظل محصورة في علاقات فردية خاصة. ولكن الخطر الأكبر هو ذلك التطفل الذي ينتظم أثره على المجتمع والحق.

فوجود المؤسسة الحكومية شرط من شروط قيام الدولة بواجبها اتجاه المواطن، وكل مؤسسة متخصصة بجانب من جوانب الحياة العملية في المجتمع. كالتعليم والقضاء والأمن والثقافة.. إلخ. وكل مؤسسة تحتاج إلى أهل الاختصاص والخبرة من جهة وإلى صفات فردية داعمة للاختصاص من جهة ثانية.

تأمل حال شخص لا علاقة له بأي صعيد من صعد الثقافة وتحول إلى مسؤول عن الثقافة في بلد ما؟ هذا المتطفل على الثقافة الذي لا يخجل من الناس، باستطاعته أن يدمر الحياة الثقافية خلال سنوات قليلة. وقس على ذلك. إن ثقافة التطفل، والحال هذه، تقضي على معايير الحق، كما تدمر ثقافة الحياء من المجتمع.

ومن أخطر أشكال ثقافة التطفل السائدة الآن التطفل على الكتابة.

ولقد شهد الوطن العربي في الربع الأخير من القرن العشرين ومازال حالة من التطفل على الكتابة لا مثيل لها بكل أنواع الكتابة. وبموضوعات ما أنزل الله بها من سلطان، فهذا يحدثك عن صديقه الجني ولقائه به، وذاك يحدثك عن قضايا حساب الآيات في القرآن، وثالث عن الماسونية وخطرها العالمي ورابع عن أطماع اليهود في فلسطين والحركة الصهيونية التي أصلها يبدأ من إبراهيم، وخامس وسادس..

وتأمل تطفل الناس على مهنة أستاذ الجامعة: يحمل شهادة الدكتوراه من دون أن يعرف ما مضمون الرسالة التي تقدم بها لنيل الدكتوراه، ثم يتقدم للتدريس في الجامعة. تأمل أيها القارئ العزيز الكارثة المترتبة على ذلك إنها ثقافة التطفل.

ثقافة التطفل لا تعني سوى شيء واحد وحيد أنه لم تنتصر ثقافة الإنسان الحر والمنطقي والواقعي. ثقافة الوعي بحقيقة الذات.

كاتب فلسطيني

تعليقات

تعليقات