كأس العالم 2018

هل يفلح محامي الشيطان؟

في عالم الأعمال والمفاوضات، يشيع استخدام مفهوم أو دور «محامي الشيطان». وهو شخص يمارس «معارضة زائفة»، من أجل التنقيب عن مثالب قرارات مهمة مطروحة للنقاش.

وجاءت الفكرة، من «المجادلة الشكلية»، التي يمارسها ذلك الفرد (المحامي) في الكنيسة الكاثوليكية، ليعمل ضد بعض المشرعين والقرارات التي تتخذ في الكنسية، لينبه الغافلين إلى تبعات القرار أو عيوبه.

هذه «المعارضة الزائفة»، التي يمارسها محامي الشيطان، هي مثل التفكير بصوت مرتفع في غرفة الاجتماعات، للفت أنظار المندفعين إلى جوانب خفية في قراراتهم. وهي مثل المذيع الذي يمارس بمهنية، دور محامي الشيطان، حتى يفلح في إثراء النقاش وحسن التوازن في عرض الرأي والرأي الآخر، شريطة ألا يقف مع طرف ضد آخر طوال اللقاء، ليرضي ملاك القناة، ويخسر ما تبقى من جمهور لم يعد يحترمه.

دور محامي الشيطان صحي، والأهم أن يمارس لدى العامة من الناس، عبر منح مزيد من حرية التعبير المسؤولة، لنكون عين المجتمع نحو تقويم اعوجاج أداء المسؤولين المتقاعسين في القطاع الخاص والعام. وهذا ما يجعل الحكومات المنتخبة في العالم الغربي، تستعد بقوة لدحض تشكيك الحزب المنافس في مشاريع قوانينها، لافتراضها أن محامياً معارضاً سيقف لهم بالمرصاد في صدر البرلمان أو وسائل الإعلام، ليشكك، فيأتيه الرد الدامغ. فهو إذن يساعد في تقوية حجتنا.

نحتاج أولاً أن نتقبل وجود محامي الشيطان في العالم الافتراضي، لأنه صار يختبئ خلف آلاف حسابات التواصل الاجتماعي. ولذا، من المهم أن تمارس كل الحكومات العربية شفافية مصارحة الناس بحجم المشكلة، أو تداعيات قراراتها المستقبلية، لامتصاص ردة الفعل، ولسحب البساط ممن يحاولون «اصطيادها في الماء العكر».

ويفلح المحامي المعارض، ولو شكلياً، في تنوير القرارات الجماعية المصيرية. لأن منها ما يخشى أن يكون مغلفاً بمجاملات القيادي، صاحب الفكرة أو القرار. مثل قبطان السفينة، الذي قرر أن يوجهها في اتجاه معين، وينسى أنه يقترب من جبل جليدي أو يبحر في يوم عاصف.

ولا بد أن يدرك كل قيادي، أن من يبدو «منشقاً» عن الرأي السائد، هو في الواقع مطلوب أكثر ممن يسارعون في مباركة كل توجهاتنا. فهو ينبهنا إلى جوانب خفية، شريطة ألا يكون ممن يعارض من أجل المعارضة أو الحقد أو الحسد، وما أكثرهم. إن كان هكذا، فاستبعاده بمعارضة موضوعية «مستقلة» أوجب. ولذا، لا تكاد تجد مجلس إدارة في مؤسسات كبرى، ليس فيه أعضاء مستقلون، ربما ليمنحوا فرصة ممارسة دور محامي الشيطان، بعيداً عن الاعتبارات المرتبطة بكبار المساهمين.

صحيح أن الكنيسة تراجعت رسمياً عن استخدام «محامي الشيطان»، كما قيل، لكن دوره ما زال مطلوباً في شتى مناحي الحياة، كالإعلام، وغرفة الاجتماعات، واللقاءات المهمة لكبار القياديين، وغيرها من تجمعات تتمخض عنها قرارات مصيرية، ربما يفلح في أن يثنينا عن الإقدام على أخطاء فادحة.

تعليقات

تعليقات