أزمة الانتخابات العراقية في طور جديد

ليست الانتخابات التشريعية في العراق حدثاً استثنائياً، فهي تجرى في موعدها كاستحقاق دستوري عادي يتكرر كل أربع سنوات، إلا أنها من جانب آخر حدث استثنائي كونها مناسبة تعكس حالة اللا استقرار وتشير لحجم الانقسامات والانسدادات في الوسط السياسي العراقي، وتسلط الضوء على وعورة المسارات فيه.

فبعد انتظار دام أكثر من شهر على إعلان نتائجها أدلت المحكمة الاتحادية العليا برأيها حول الطعون المقدمة من قبل عدد من الائتلافات، وقررت في ضوء تحرياتها تعليق النتائج التي اعتمدت على أجهزة العد الإلكتروني لحين ظهور نتائج العد والفرز اليدوي الذي أوصت بها في المناطق موضوع الشكاوى، استناداً إلى تعديل أجراه مجلس النواب أخيراً لقانون الانتخابات.

قرارات المحكمة العليا تأتي استكمالاً لإجراءات دستورية تمهد الطريق لاعتماد نتائج الانتخابات وانعقاد الجلسة الأولى للمجلس النيابي في سياقات العملية السياسية.

وكأي حدث على هذه الدرجة من الأهمية لقي قرار المحكمة الترحيب من قبل البعض وعدم الرضا والتحفظ من قبل آخرين، وسط إجماع بقبوله لأنه إلزامي وفق المادة 94 من الدستور العراقي، التي نصت على أن «قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة». فهل ينهي قرار المحكمة العليا اللغط حول هذه الانتخابات مهما كانت النتائج التي تترتب عليه أم يقودها إلى مسار آخر فيما لو تغيرت النتائج بما يلحق الضرر بمواقع كبار الفائزين؟

ففيما يخص الشأن العراقي، وفي ضوء ملابساته الشائكة ليس من المستبعد أن يحصل ذلك على الرغم من أن المؤشرات على احتمال حصوله ليست قوية، فدعاوى الطعون بالانتخابات ونتائجها عديدة ومتنوعة لا تتوقف عند حد التشكيك بأجهزة العد الإلكتروني، فهناك أفراد خاسرون وكيانات مهزومة تراجعت حظوظها ترى في إلغاء الانتخابات، تمهيداً لإعادتها في وقت لاحق، فرصة للعودة للمسرح السياسي.

التكهنات متباينة بشأن مآلات العد والفرز اليدوي، فهناك من يتوقع تغيراً في تسلسل الائتلافات الفائزة، وهناك من يتوقع تغيرات طفيفة في بعض المحافظات فحسب، وهناك في الوقت نفسه مخاوف من تسليط ضغوط سياسية على هيئة القضاة التي تشرف على عملية العد والفرز اليدوي بديلاً عن مفوضية الانتخابات التي جمدت أعمالها.

تبعاً لذلك سيتأخر تشكيل الحكومة، فعمليات الفرز والعد اليدوي قد تستغرق بضعة أسابيع، وقد يصاحب ذلك عمليات غير قانونية تعيد رسم خارطة النتائج المعلقة، وتثير خلافات جديدة وتقاذف تهم جديدة وربما تقاذف غير ذلك. مآلات فيها الكثير من الالتباس خاصة مع حلول الثلاثين من يونيو الجاري، حيث تنتهي دورة المجلس النيابي الذي لا يمكن تجديدها إلا بحالة واحدة، وهي تعديل الدستور نفسه، وهو أمر مستحيل في هذه المرحلة إذ سيكون هناك وفق ما يراه المختصون فراغ برلماني وليس فراغاً دستورياً.

ولعل ما يدعو للتوقف عنده في سياق المشاورات الجارية بين الائتلافات المختلفة والتي تباطأت وتيرتها نوعاً ما بانتظار نتائج الفرز والعد اليدوي هو إعلان ائتلاف النصر الذي يقوده رئيس الوزراء العبادي التحالف مع ائتلاف سائرون بعد تردد دام أكثر من شهر منذ إعلان نتائج الانتخابات في خطوة تقرب من موعد إعلان الكتلة النيابية الأكبر على الرغم من أن ذلك لا يقربنا بالضرورة نحو موعد تشكيل الحكومة.

فالعقدة الأكبر هي في اختيار شخص رئيس الوزراء والتوصل إلى اتفاقات حول توزيع الحقائب الوزارية، السيادية منها بشكل خاص، لكل ائتلاف حسب الثقل الذي يشكله في التحالف، فهناك عدد من المرشحين لمنصب رئيس الوزراء.

فعلى المستوى السياسي تراجعت حظوظ العبادي في الآونة الأخيرة إذ لم تكن الانتخابات وما صاحبها وما أثير حولها من أقاويل من جهات عدة وتدخل المحكمة الاتحادية العليا مشككة بسلامتها في صالحه، فقد جرت الانتخابات النيابية ثلاث مرات منذ العام 2003 لم تلق فيها ما تلقى الآن من تشكيك واتهامات، فحكومته تعتبر مسؤولة بشكل مباشر عما سادها من فوضى.

العبادي لا يستطيع أن يلج عراق المستقبل وهو يحمل أجندة حزب الدعوة الذي تضاعف عدد معارضيه مرات عدة بقدر مرات فشله في مواجهة الاستحقاقات السياسية والاقتصادية الملحة للشعب العراقي. وضع العراق الاستثنائي في هذه المرحلة يستلزم حضوراً لحكومة قوية لها أجندات ونوايا وقدرات تنفيذية فاعلة لمواجهة أزمات أصبحت مزمنة في العراق.

 

كاتب عراقي

تعليقات

تعليقات