في العيد الخامس لثورة مصر

يحل السبت المقبل العيد الخامس لثورة الثلاثين من يونيو الشعبية التي استجاب لندائها الجيش فساندها ودعمها، ليخلص مصر، وربما دول المنطقة، من فاشية دينية مسعورة بالنفوذ وبالسلطة، وعلى استعداد للتحالف مع الشيطان للبقاء فيها 500 عام، كما كان قادة جماعة الإخوان يتوعدون الشعب المصري في أحاديثهم وخطبهم، حين تمكنت الجماعة وأنصارها من الاستيلاء على السلطة، لتحكم بلداً لا تحبه ولا تعرفه، ووطناً لا تعترف به، فكان أن سبها مرشدها العام بقوله «طظ في مصر»، وأبدى ترحيبه أن يحكمها ماليزي!

في شهادته أمام قضاة محاكمة مبارك ونظامه، وجه القاضي سؤالاً للمشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس العسكري بصفته من تولى حكم مصر لمدة 18 شهراً طبقاً للإعلان الدستوري المؤقت الذي أصدره المجلس، بعد تنحي الرئيس الأسبق مبارك، في ظروف بالغة الصعوبة، حالكة السواد.

امتد حكم المجلس العسكري من 13 فبراير 2011، وحتى 30 يونيو 2012، حين أعلنت لجنة الانتخابات الرئاسية فوز مرشح الإخوان بمنصب الرئاسة، في انتخابات أكد كثيرون من شهودها ما شابها من تزوير فاضح، ولم تكشف حتى هذه اللحظة نتائج التحقيقات في مخالفاتها.

انطوى سؤال القاضي للمشير على اتهام بأنه سلم حكم البلاد لجماعة الإخوان، وكان رد المشير بأن الناخبين هم من أتوا بهم للحكم وليس المجلس العسكري.

وإذا كان للكوارث التاريخية جوانب إيجابية، فعلينا أن نسجد لله شكراً على تلك النتيجة، التي كشفت للشعب المصري ولغيره خلال الممارسة العملية لعام من حكمها، أنها جماعة فاشلة وجاهلة تمتلك ثروات طائلة وتنظيماً حديدياً، وتفتقد للعقل وليس لديها أي نوع من الخبرة في إدارة الدولة أو قيادة المجتمع، والخبرة الوحيدة التي تحوزها هي حشد المظاهرات المدفوعة الأجر، والتهديد والمنع والقمع والتخريب والتدمير والقتل والحظر والاستئصال والاستحواذ، والتآمر، وقبل كل ذلك الكذب وترويج الشائعات وإثارة الفتن الطائفية والمذهبية.

وما جرى بعد فض اعتصامي ميداني رابعة والنهضة، سجل حافل بتلك الجرائم الإرهابية، التي تواصل الجماعة مد مرتكبيها بالمال والسلاح، وتدفع القوى الأمنية في الجيش والشرطة تضحيات غالية بالإصرار على التصدي لها ببسالة لتحرير شبه جزيرة سيناء، واستعادتها لسلطة الدولة المصرية.

اكتشف المصريون خلال 12 شهراً من استيلائها على السلطة، أن عفة القول ونظافة اليد، ونزاهة النفس وصحوة الضمير، والحرص على المال العام، ليست من قيم الجماعة ولا شيمها، بل مجرد أوهام تم ترويجها لأهداف سياسية لجماعة تمتهن المتاجرة بالدين لأغراض سياسية، وبالتفريط بالأوطان طمعاً في إحياء نظم حكم وإمبراطوريات آفلة.

في العيد الخامس لثورة ثلاثين يونيو، من المهم التوقف عند بعض الحقائق التي أسفرت عنها وبينها:

بروز دور المرأة المصرية بقوة في المجال العام، سواء في المظاهرات المنددة بحكم المرشد وجماعته، أو في الإعداد والتخطيط والمشاركة في الثورة، أو في الحشود التي خرجت للشوارع لمنح الجيش تفويضاً للتصدي لعمليات إرهاب كانت محتملة، وأضحت واقعاً مريراً، أو في الحشود المماثلة التي شاركت في الاستفتاء على الدستور وفي الانتخابات البرلمانية والرئاسية. فضلاً عن دورها في الدفاع عن الحقوق المهنية، وزيادة أعداد مشاركتها في الانتخابات العامة والنقابية، وصعودها بكثافة من أدنى السلم الوظيفي إلى قمته، في مواقع قيادية، واتساع نطاق إقبالها على التعليم حتى أرقى مستوياته بما يفتح المجال أمامها للتقدم بثبات لتحقيق أهليتها للمساواة.

هذه الثورة ما كان لها أن تنجح في إزاحة طغمة مدججة بالسلاح من الحكم، تزعم التحدث باسم الله، وتحظى بدعم إقليمي ودولي، دون مساندة الجيش وحمايته للمظاهرات الشعبية. فضلاً عن ذلك، فلم يكن بمقدورها أن تستمر وتقف على أقدامها، بغير الدعم العربي الجسور لأهدافها على المستويين الرسمي والشعبي.

كما تقدم الثورة أدلة صريحة لكل من يعنيه الأمر داخل المنطقة وخارجها، إن الشعوب العربية، لن تقبل بتكرار تجارب فاشلة، ولا بضغوط دولية تزعم السعي لدمج الإرهاب الجهادي في مجتمعاتها، وأنها باتت تمتلك من الوعي بأن شرطاً أساسياً لبناء بلدانها دولاً مدنية حديثة تلحق بمنجزات العصر، يتحقق بعدم الخلط بين الدين والسياسة، ولتصبح الأوطان محلاً للسعادة المشتركة لأبنائها من مختلف الأديان والمذاهب والأعراق.

ولعل دعاة المصالحة مع الجماعة، والدمج للإرهابيين، والصفح عن المجرمين والقتلة أن يدركوا أنهم يحرثون محيطاً، ويجهدون أنفسهم جرياً وراء سراب.

تعليقات

تعليقات