مساعدات للعدوان فقط

في مستهل يونيو الجاري، صرح فيليب ألستون مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بأن الفقر في الولايات المتحدة منتشر ويستفحل أكثر في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب «الذي يبدو أن هدف سياساته هو إلغاء شبكة الأمان التي تحمي الفقراء وتكافئ الشركات العملاقة وكبار الأغنياء».

أوضح ألستون أن ثمة 41 مليون أميركي بنسبة 12.7% من المواطنين يعيشون في فقر؛ بينهم 18.5 مليوناً يعانون من الفقر المدقع، وأن لدى الولايات المتحدة أعلى معدل لفقر الشباب بين الدول الصناعية، ويشكل الأطفال واحداً من كل ثلاثة فقراء.

بالتزامن مع هذه المعلومات المفزعة، أعلنت مصادر مختصة أن حجم الهبات والمعونات الأميركية الرسمية؛ التي منحتها واشنطن لإسرائيل خلال العقود السبعة من عمرها، تبلغ زهاء 300 مليار دولار؛ وقد تم تخصيص ثلثيها للدعم العسكري.

ليس من اليسير العثور على تفسير منطقي لتلازم وجود كل هؤلاء المعدمين، في دولة تهب كل هذه الأموال إلى دولة أخرى لتنفقها في احتلال دولة ثالثة والتنكيل بشعبها. الأصل أن سلوكاً كهذا يجرد آلية الدعم من أبعادها الإغاثية ومضامينها الإنسانية، وينسبها بفجاجة إلى أدوات السياسة العدوانية.

للولايات المتحدة سيرة مقبضة مع توظيف المال والاقتصاد في خدمة السياسات الخارجية والاستراتيجيات الأمنية وبسط النفوذ، وإسناد نظم ومحاولة تقويض نظم أخرى، والعبث في أحشاء مجتمعات كثيرة بالجوار القريب كدول أميركا اللاتينية، وخلف أعالي البحار والمحيطات على امتداد المعمورة. وربما جادل البعض بأنه لا ينبغي الإفراط في لوم صناع القرار الأميركيين، على سلوك يعد من صميم أدوات تحقيق الأهداف المعلنة والخفية للسياسة الخارجية لأية وحدة دولية. لاسيما وأن هناك قوى أصغر حجماً وأقل شأناً بكثير من القطب الأميركي؛ لا تستثني هذه الوسيلة في تعاملاتها الدولية. لكن هذا التحفظ لا يقف على قدمين، حين نذكر أصحابه بأن البيت الأميركي يحوي من هم أحوج إلى مقاومة ضغوط الفاقة، وعددهم يقارب سبعة أمثال الإسرائيليين الذين تنفق عليهم واشنطن بسخاء.

ما هو أكثر مدعاة للدهشة والجدل، يتعلق بارتباط جانب كبير من هذا السخاء بأبعاد روحية ودينية طائفية صرفة. فأكثر المدافعين عن الولع الأميركي بالمشروع الاستيطاني الصهيوني وتمويله، ويغضون الطرف عن حاجة المعوزين الأميركيين، ينتمون إلى جماعات توقن بمعتقدات وأفكار طائفية رؤيوية شديدة التعقيد. تبلغ حد الإيمان بأن يوم القيامة لن يقع إلا بعد قيام إسرائيل، ثم استقبالها للمسيح المخلص المنتظر، الذي سيقضي على الأشرار ويتبعه الأخيار ومنهم اليهود الفارين من يهوديتهم.

ليس هنا مقام تفنيد هذا السيناريو الملحمي. المهم هو أن الموقنين به، وعلى رأسهم الانجيليون الصهاينة وأشياعهم، يعدون بعشرات الملايين ويستحوذون على موارد مالية واقتصادية وإعلامية كبيرة جدا، ولشدة إلحاح الهواجس الصهيونية عليهم، فإنهم لا يعبأون بالعذابات التي تلحقها تنبؤاتهم وسلوكياتهم بالآخرين، وكيف أن الخلاص الروحي لا يمكن تحقيقه من خلال كيان إجرامي لا يقيم وزناً للقيم الأخلاقية والحقوقية، ويسير في عكس اتجاه القوانين والأعراف السماوية والوضعية.

قضية التناقض بين الغاية والوسيلة في سلوك هؤلاء القوم، تحتاج إلى الاستغراق في تحليلات تاريخية وثقافية واجتماعية ونفسية بالغة العمق. لكن الظاهرة الأكثر طرقاً للعقل والعقلانية السوية، هو موقف بقية شرائح المجتمع الأميركي مما يدور حولهم على هذا الصعيد. من المؤكد أن الإسناد اللامحدود للعدوانية الإسرائيلية اللامحدودة، لا يحظى بإجماع سواد الأميركيين. ومع توقع وجود قطاعات شعبية تساهم في هذا الإسناد بمبالغ فلكية، وبخاصة من اليهود، إلا أن الشق الأعظم منه يجري تحت سمع وبصر ورقابة وموافقة المؤسسات الرسمية؛ الممثلة للأميركيين والمسؤولة عن مواردهم وموازناتهم. فكيف ترضى هذه المؤسسات عن دفق الأموال إلى إسرائيل بغير حساب، فيما عشرات ملايين المواطنين الأميركيين الأقحاح يتضورون جوعاً تحت مطارق الفقر ؟!. أين الفتاوى والمواقف الاجتماعية أو الثقافية أو حتى الدينية، التي تجعل ما يعوزه فقراء الأميركيين حراماً على غيرهم؟!

إلى ذلك، أين تكييفات دافعي الضرائب والناخبين غير الإنجيليين الصهاينة، وغير المهووسين بنبوءات يوم القيامة في عالم الغرب عموماً، من قرار دولتهم بإلقاء القدس في حجر إسرائيل وصهاينتها من دون العالمين ؟!. نحسب أن الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وخلقاً كثيراً من العقلاء والمعتدلين دينياً ودنيوياً في مشارق الأرض ومغاربها، مطالبون بإثارة مثل هذه الأسئلة وتلمس إجابات لها داخل الولايات المتحدة وخارجها.

 

كاتب وأكاديمي فلسطيني

تعليقات

تعليقات