كأس العالم 2018

عن أخطائنا وصواب الآخرين

لعبت بعض الجاليات الإسلامية المهاجرة إلى الدول الغربية دوراً لا يستهان به في تشكيل الصورة الذهنية السلبية لدى حكومات وشعوب تلك الدول عن الإسلام والمسلمين من جهة، وفي تصعيب ظروف الحياة على أنفسهم من جهة أخرى.

وبدلاً من الاستفادة من الحريات التي تتيحها الدول الغربية لتلك الجاليات في الإقامة والتعلم والعمل والتجنس، بهدف الاندماج في المجتمع الغربي، سعت بعض تلك الجاليات لنقل أمراض المجتمعات التي أتت منها إليه، وبعضها لا يخلو من جهل وتخلف، فضلاً عن نقل تقاليد وعادات بلدانهم الأصلية التي قد يتعارض معظمها مع تقاليد وقوانين الدول الغربية، وفي القلب منها قيم العلمانية التي تتم حمايتها في تلك الدول بالقانون والدستور، وتصون حريات الأفراد في التعبير وممارسة العقائد، وتفصل كل ما هو ديني عن كل ما هو سياسي.

لم تبذل الجاليات الإسلامية العربية جهداً للتعلم من أسلافهم أقطاب التحديث والنهضة العربية والإسلامية منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين، وبينهم رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وطه حسين، الذين ذهبوا للغرب للدراسة والزيارة والنفي، وعادوا إلي بلدانهم يبشرون بقيم الحرية والعدل والديموقراطية ونشر التعليم والعلم وتحرير المرأة، والدعوة لمواجهة كل أشكال الاستبداد المحلي والأجنبي، والتصدي للتطرف الديني الذي ُينسب زوراً إلى الإسلام، ويشكك في سماحته.

في الأسبوع الماضي أغلقت حكومة النمسا سبعة مساجد وطردت خمسة وعشرين إماماً، وألغت تصاريح ستين إماماً آخرين هم وعائلاتهم، بعد أن وجهت إليهم تهم استخدام المساجد للعمل السياسي، وترويجهم للفكر المتطرف والحصول على دعم أجنبي، بما يشكل مخالفات صريحة للقانون النمساوي. وبدأت النمسا في تنفيذ قانون جديد يحظر ارتداء النقاب، وكانت بلجيكا وفرنسا قد فرضتا حظراً مماثلاً على ارتدائه من قبل، بينما تتجه هولندا لاتخاذ إجراء مشابه.

وفي سويسرا تجري الآن معركة بين السكان والسلطات المحلية طلباً لتدخلها لمنع استخدام مكبرات الصوت وقت رفع الآذان، لما يسببه الضجيج من إزعاج لهم.

وتلك نماذج بسيطة من معارك شكلية تخوضها الجاليات الإسلامية في الخارج، خاصة التي تسيطر على تفكيرها الحركات الأصولية الدينية، والتي خاضت معارك دموية في المنطقة العربية، لتحطيم الدولة الوطنية، وإدخالها في حروب طائفية ومذهبية وأهلية، وتوجيه اتهامات لها بالكفر لتشبهها _ كما يزعمون- بالغرب وحضارته الكافرة، فضلاً عن دورها في تشكيل حركات الإرهاب الجهادي، التي غررت بمئات الآلاف من الشباب لتبني أفكارها المتطرفة والفوضوية، من خلال عمليات تضليل واسعة النطاق، تبرر عمليات القتل والذبح والتدمير والخراب بحجة الدفاع عن دين الله وتحقيقاً لشريعته، وتصف كل ما هو غربي بالهرطقة، ومعاداة الإسلام والمسلمين، لاسيما وهي تمتلك قدرات مالية جبارة، يوفرها لها الحبل السري الذي يظل يربط بينهم وبين التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، لتغدو إشاعة النظرة داخل الغرب التي لا تفرق بين حقيقة الإسلام وبين الإرهاب أمراً متوقعاً!

ولعل هذا اللون من السلوك بجانب الهجرة العشوائية نحو الغرب التي ترتفع معدلاتها بسبب الحروب الدائرة في منطقتنا، هو ما سهل صعود أحزاب اليمين الشعبوي لسدة الحكم في النمسا وإيطاليا وألمانيا والمجر والولايات المتحدة الأميركية من قبلهم، وهي أحزاب معادية في الأصل للمهاجرين من كل الأديان.

لهذا تلقى كثيرون بترحاب شديد إعلان الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» قبل أيام، عن عزمه تطبيق خطة لما أسماه تنظيم وهيكلة الإسلام في فرنسا، بهدف دمج نحو 4.5 ملايين فرنسي مسلم، في الجمهورية الفرنسية، ومكافحة الأصولية والفكر المتطرف، باستعادة جوهر الدين ونشر خطاب إسلامي معتدل بإعادة تأهيل الأئمة والدعاة، وإصلاح المجلس الفرنسي للدين الإسلامي، وإنشاء منصب إمام فرنسا الأكبر ليتولى المجلس والمنصب معاً، مسلمون معتدلون يحترمون القانون الفرنسي.

يخوض ماكرون إذن معركة مهمة في الطريق الصائب لتجديد الخطاب الديني في بلاده وإصلاحه، ليس فقط لأن ذلك بات ضرورة أمنية وسياسية واجتماعية للتصدي لظواهر التطرف الديني والإرهاب الجهادي فقط، ولكن أيضا لمحو التشويه المتعمد الذي أشاعه المتطرفون الدينيون عن العلمانية باعتبارها دعوة للتحلل والإلحاد.

المشروع الفرنسي يجدد التأكيد أن العلمانية ليست صراعاً ضد الدين، بل للحفاظ على حرية ممارسة شعائره، وأنها تقيم علاقات متساوية بين جميع المواطنين أمام سلطة القانون، ولا تسمح بالإلغاء والاقصاء، وتحمي حريات ممارسة العقائد والرأي والتعبير، والحريات الفردية المسؤولة التي تحرسها قوانين تحمي الحقوق وتحدد الواجبات.

تعليقات

تعليقات