هاجس الوجود لا الحدود

ما من دولة في التاريخ خشيت على مستقبلها كما تخشى «إسرائيل». الدول عادة تخشى على حدودها لا على وجودها، اللهم إلا إذا كان وجودها هذا مبنياً على باطل. وهذه هي الحقيقة التي تسعى إسرائيل لطمسها بغبار توراتية وتفسيرات صهيونية مشوهة لليهودية.

منذ هزيمة 1967 قدم العرب سلسلة تنازلات من أجل السلام رفضتها إسرائيل كلها. من الأرض مقابل السلام إلى السلام مقابل السلام إلى الاعتراف مقابل السلام. إلا أن ساسة إسرائيل اتخذوا من هذه المبادرات سلالم للصعود إلى الهاوية المحتومة.

يقول الكاتب والسياسي الإسرائيلي أميتاي بن أبا: «في الحقيقة، لم يكن بوسع أي مؤلف أن ينبئ عن الجنون الحالي، مثل شاشة التلفزيون الإسرائيلي المقسومة نصفين في البث الحي يوم 14 مايو: حيث أشباه نتانياهو وأشباه ترامب يبتسمون بهدوء في جانب، والمحتجون الفلسطينيون يحملون قتلاهم في الجانب الآخر، ثم في تلك الليلة حينما كان سكان غزة يبكون على الجثامين بينما يرقص الإسرائيليون بعشرات الآلاف في ميدان رابين، ويغنون «أنا لست لعبتك».

«في الرواية التي أعمل عليها حالياً»، يقول أميتاي، «أتأمل ما الذي يمكن أن تبدو عليه عملية إبادة جماعية إسرائيلية كاملة (والمقاومة ضدها) من منظور أحد مرتكبي المذبحة وإحدى الضحايا. ولكن، بينما بدأت هذا المشروع بابتكار الظروف التي سيحدث فيها مثل هذا الحدث، كانت هذه الظروف - وبما أصابني بالهلع - قد نضجت بالفعل في المجتمع الإسرائيلي. لقد استيقظت على الوضع الذي يتسارع فيه مستقبل بائس قادماً إلى الوجود، ولا أستطيع أن أتدبر حتى مجرد توقف قصير لأكتب عنه قبل وصول العاصفة».

الجانب الدموي بين السياسيين الإسرائيليين - عضو الكنيست سموتريتش، ووزير التعليم بينيت، وعمدة القدس بركات وأمثالهم - أصبحوا يدعون في الوقت الحاضر إلى الانتقال إلى ما يسمى «المرحلة الحاسمة» في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؛ إلى تخطي الوضع الراهن إلى «سلام دائم»، (وهذا هو عنوان الكتاب الوحيد لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو):«حل نهائي للقضية الفلسطينية».

هذه الرؤية، على طريقة سموتريتش، مأخوذة من سفر يوشع، حيث يقوم الإسرائيليون الغزاة بتنفيذ عملية إبادة ضد الكنعانيين الأصليين، حتى لا تُترك روح واحدة تتنفس، باقتباس توصيف الحاخام موسى بن ميمون.

وبحسب المدراش، وهو كتاب ديني يهودي، كانت هناك ثلاث مراحل لهذه العملية. أولاً، أرسل يوشع إلى الكنعانيين رسالة نصحهم فيها بالفرار. ثم، يمكن للذين بقوا أن يقبلوا بمكانة المواطنة الدنيا وباستعبادهم. وأخيراً، إذا قاوموا، سوف تتم إبادتهم. وقدم سموتريتش هذه الخطة علناً باعتبارها التحول المطلوب إلى المرحلة الحاسمة من الصراع.

إذا لم يهرب الفلسطينيون ورفضوا القبول بمواطنة أدنى، كما يفعل أي شخص ذي كرامة، «سوف يعرف جيش الدفاع الإسرائيلي ما الذي يجب عمله»، كما يقول.

إن من يدعم سياسة اليمين الإسرائيلي المتطرف بزعامة نتانياهو إنما يشعل النار ليس في بيوت وأجساد الفلسطينيين بل في الخيمة الإسرائيلية التي عمادها كذبة كبرى. فقد هاجمت صحيفة «هآرتس» الأسبوع الماضي، السفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، مؤكدة أنه يتصرف كسفير للمستوطنين الإسرائيليين، و «يجب عليه أن يغلق فمه». وأكدت الصحيفة العبرية اليسارية، في تقرير أعده الكاتب الإسرائيلي روغل ألفر، أن السفير فريدمان «هو شر مستطير»، موضحة أن «الرجل الذي يجب أن يمثل هنا المصالح الأميركية؛ هو في الحقيقة وزير المستوطنين، كما برهن على ذلك عدد كبير من النشاطات والتصريحات التي أدلى بها منذ تعيينه في منصبه وحتى قبل ذلك».

فقد «حذر من أن إخلاء المستوطنات سيؤدي لحرب أهلية، والتقط صورة في مستوطنة بني براك مع صورة مدبلجة للبلدة القديمة بالقدس، تضمنت تصويراً للهيكل (المزعوم) بدل قبة الصخرة»، وفق الصحيفة التي لفتت إلى أن فريدمان،«مسؤول شخصياً وحصرياً عن دعوة الواعظ المتطرف روبرت جيفرس، من أجل إلقاء خطاب في حفل افتتاح السفارة الأميركية بالقدس».

وبحسب وصف الصحيفة الإسرائيلية، فقد أمر هذا الرجل (فريدمان) الصحافيين الذين ينتقدون نار القناصة الإسرائيليين على المتظاهرين في غزة «بإغلاق أفواههم»، وحتى إنه أوضح أن أقواله موجهة لزملائنا في الولايات المتحدة.

وأضافت الصحيفة: «هو يتصرف هنا كصاحب بيت بسيادة مزدوجة؛ يهودي وممثل رسمي للدولة العظمى، وربما يطمح بالنجاح في التأثير على تشكيل هوية إسرائيل»، مشددة على أن «فريدمان بسبب سلوكه وتصريحاته فقد شرعيته، وإذا كان هناك من يجب أن يغلق فمه فهو فريدمان».

كاتب أردني

تعليقات

تعليقات