غمرة العاطفة في قراراتنا

تأثير العاطفة في قراراتنا، أكثر وقعاً مما نتخيل. فقد اكتشف باحثان أن حكم الناس ومقدرتهم على اتخاذ القرارات، تضعف حينما يتعرضون أو يسمعون عن حادثة، مثل تفشي مرض المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة، الشهير بـ SARS، ليس لما يحمله من مشاعر سلبية، ولكن بسبب أن القضية برمتها مرتبطة بالعاطفة. إذ تبين أن العواطف التي تنتابنا، تجعلنا أقل تأثراً بجسامة أو ضخامة الأرقام المرتبطة بها. فيصبح تفكيرنا منصباً على وجود هذا المرض بيننا من عدمه، بصرف النظر عن نسبة حدوثه مثلاً. وهذا يذكرني بصديق ذكر لي مرضاً نادراً، فوجئت أنه قد أصيب به وهو ما زال في ريعان شبابه، ثم استدرك قائلاً: لا تقلق، مرضي يحدث لفرد واحد من كل 100 ألف شخص!، هنا، تمكنت من استيعاب محدودية حدوثه.

والأمر نفسه انعكس في الدراسة التي أعدها الباحثان كريستوفر هيسي ويوفال روتنستريتش، حيث تبين أن المشاركين الذين كان يغلب على تفكيرهم النزعة العاطفية، قد صبوا جل اهتمامهم على مدى حدوث هذا المرض من عدمه، من دون التمحيص بالأرقام.

ولقياس ذلك، طلب من المشاركين تخيل شخص يعرفونه يبيع أسطوانات لمطربة البوب الأميركية الشهيرة مادونا، ثم قيل لنصف المشاركين بأن عددها 10، وأخبر النصف الآخر بأن العدد 5 فقط. ثم طلب منهم كتابة المبلغ الأقصى المستعدون لدفعه لقاء شراء تلك الأسطوانات. فتبين أن من يميلون «للتفكير العقلاني»، أي بعيدون عن العاطفة، قد أظهروا رغبتهم في دفع مبلغ أكبر لعدد عشر أسطوانات بطبيعة الحال. في حين أن الذين صنفتهم الدراسة بأنهم ميالون «للتفكير العاطفي»، كانوا مستعدين لدفع مبالغ للأسطوانات الخمس، توازي ما قرر «العقلانيون» دفعه لعشر أسطوانات!، بعبارة أخرى، اتضح أن في غمرة التفكير العاطفي، يصبح متخذ القرار «مشوشاً»، حينما تعرض له سلعة أو خدمة مغرية، لأنها خاطبت حواسه. ولذا، ينصحنا المتخصص في إدارة الأموال الشخصية، الكويتي فيصل كركري، بالتفريق بين «الحاجات» و«الرغبات». أي أن الحاجة ماسة أو ملحة بطبيعتها، بخلاف الرغبة الممكن تأجيلها.

ومن هذا يتبين أن من يغلب عليهم التفكير العاطفي، هم هدف موظفي المبيعات. وربما كانت من ضحاياهم بعض من الإناث، بحكم أن دراسات أخرى أظهرت أن مواضع العاطفة في أدمغتهن أكثر بكثير من معشر الرجال.

ولذا، كان الحل عموماً في أثناء المفاوضات أو البيع والشراء، يكمن في التركيز على المقارنة بين الأرقام قبل التورط في مغريات النقاش مع بائع أو مفاوض محترف. وربما هذا ما يدفع بعض الأذكياء للتفريق الدائم بين قراراتهم وبين الحقائق المجردة، أو المعلومات وثيقة الصلة بالقرار قبل الإعلان النهائي عن قرارهم. وإدراك ذلك كله، يمكن أن يخفف من وطأة اتخاذ قرارات مصيرية، ارتكزت على عاطفة، كلحظة فرح أو غضب، دفع ثمنها باهظاً أفراد أو مؤسسات أو بلد بأسره.

كاتب كويتي

تعليقات

تعليقات