الطريق إلى دولة الأبارتيد

في إسرائيل يريدون تربيع الدائرة، وذلك بصك قانون يعتبر الدولة بيتاً قومياً للشعب اليهودي، ودولة ديمقراطية في الوقت ذاته. وفي هذا السياق التلفيقي، يجري نقاش وتناظر مستفيض، بحثاً عن صيغ التفافية تحايلية لتمرير عدد من المفاهيم، وفقاً لتعريفات خاصة لا تمس بجوهر الدولة اليهودية الديمقراطية المطلوبة، ومنها بلا حصر حق تقرير المصير ومكانة الأقلية الفلسطينية ولغتها العربية ومعنى الديمقراطية ذاته.

القانون الإسرائيلي قيد التجهيز، يسمح بإقامة بلدات لليهود فقط ويمنع غيرهم من سكناها، ويجبر المحكمة العليا على تفضيل الطابع اليهودي للدولة إذا ما نشأ تعارض مع القيم الديمقراطية، ويجعل الكلمة العليا للغة العبرية مع إعطاء «مكانة خاصة» للغة العربية التي يتحدث بها خمس مواطني الدولة.

المناخ العام والانحيازات الشعبية داخل إسرائيل، تبدو مواتية لهذه الألاعيب، التي يرعاها أعضاء من الأحزاب اليمينية الحاكمة بشقيها العلماني والديني. وقد جاءت المبادرة بطرح مشروع القانون العتيد من الليكودي آفي ديختر، وذلك بمباركة من بنيامين نتانياهو الحريص على إظهار دور حزبه في تقنين هذا النص الأفعواني.

برنامج حزب البيت اليهودي ينص على أن «إسرائيل دولة يهودية ذات نظام ديمقراطي، ويتحدد طابعها على قاعدة التوراة وتعاليم أنبياء إسرائيل.. وسوف نحارب كل من يريد تحويلها إلى دولة لكل مواطنيها». ولا خلاف مع هذا المفهوم من جانب الأحزاب الموصوفة باليسارية، فحزب «يوجد بديل» العلماني يورد في برنامجه أن إسرائيل «أنشئت كدولة قومية للشعب اليهودي، ويجب أن تظل ذات أغلبية يهودية». ولم ينشغل الحزب بما يتعين عمله فيما لو فقدت هذه الأغلبية!

من جهته، ذكر حزب العمل، خصم الليكود التاريخي، في برنامجه أن «إسرائيل دولة الشعب اليهودي»، ويعزف مختلف المشاركين في الكنيست، دون استثناء الأحزاب والقوى والنخب الليبرالية، على النغمة ذاتها. الفارق في هذا الإطار، أن المدرجين تحت عباءة اليسار والليبرالية، لا يفضلون صدور قانون أساسي يحمل هذه المعاني بشكل صريح، كي لا تثار قضية الاختلال بين مكونين في تحديد طابع الدولة، وهما اليهودية والديمقراطية، بما يهيج القوى المعادية لإسرائيل بحسبها دولة أصولية وتطرف. يحاول الزمار الإسرائيلي تخبئة ذقنه.. هو لا يريد أن يضبط متلبساً بالعنصرية والتمييز.

في هذه الأجواء المحمومة، يطل جمال زحالقة النائب العربي في الكنيست على الإسرائيليين ليذكرهم بما يدور على كوكب الأرض، عوضاً عن التحليق في فضاء للاجتماع السياسي خاص باليهود وحدهم. الرجل تقدم بمشروع قانون يدعو إلى تعريف إسرائيل كدولة لجميع مواطنيها، بدلاً من مشروع قانون القومية الصهيوني. التعاكس بين المشروعين واضح كشمس الظهيرة. ففي حين يحاول الصهاينة حشر دولتهم في زقاق اليهود واليهودية، يود زحالقة وجماعته الفصل التام بين الدين والدولة: «إزالة نجمة داوود من العلم الإسرائيلي، وتغيير النشيد الوطني، وإلغاء قانون العودة اليهودي الصهيوني، ومنح الجنسية لأي شخص يكون أحد والديه إسرائيلياً أو متزوجاً من مواطن أو مواطنة إسرائيلية».

بالنسبة لعموم الصهاينة داخل الكنيست وخارجه، يعد هذا التوجه شيئاً نكراً. وقد تم التعامل معه على أساس هذا التقدير بالفعل، حتى أن رئيس الكنيست يولي أدلشتاين رفض مجرد مناقشته بقراءة تمهيدية أو غير تمهيدية. وهذا إجراء لم يحدث مطلقاً في تقليد العملية السياسية هناك.

يدرك ادلشتاين أن مشروعاً من هذا القبيل لن ينال أية أغلبية، ولن يمر في أية قراءة داخل الكنيست. لكنه لا يرغب حتى في إثارة المناقشات والمناظرات، التي سوف تترتب حتماً على عرضه لدى الرأي العام بشقيه الرسمي والشعبي. ويقيناً فإن زحالقة وصحبه يعرفون ذلك وأكثر منه، ولابد أنهم يقدرون حجم السخرية والاستخفاف الذي ينتظرهم. لكنهم حين يعرضون مشروعهم، الذي لا يمكن قبوله، إنما يستهدفون الإعلان عن حضورهم الوطني والقومي في أحشاء إسرائيل. هم يدركون أن رصاصتهم طائشة ولن تصيب، غير أنها يمكن أن تزعج وتنبه بعض الضمائر والغافلين في عوالم الآخرين، إلى ما يعتمل في الداخل الإسرائيلي من حراكات تعزز التطرف والعنصرية، ليس فقط رحاب الضفة والقدس وغزة المحتلة منذ 1967، وإنما أيضاً وراء ما يسمى بالخط الأخضر.

* كاتب وأكاديمي فلسطيني

تعليقات

تعليقات