#هلا_بالصين - الأسبوع الإماراتي الصيني

بوادر أزمة سياسية في العراق

منذ مطلع تسعينيات القرن المنصرم أصبحت امتدادات العراق السياسية في بنية دول المنطقة أقل كثيراً من امتدادات دولها في بنيته، فالتوترات الآخذة بالتصاعد فيها تضفي تداعيات خطيرة على المشهد السياسي العراقي وتزيد من تعقيداته مما يجعل التوقعات بشأن مسارات الأحداث فيه أقل صدقية، خاصة لمن يرصد مسرحه السياسي من الخارج.

فالتوقعات بفوز ائتلاف النصر بزعامة رئيس الوزراء العبادي الذي يحظى بدعم أميركي وإقليمي واسع لم تكن في محلها، فقد جاء ترتيبه ثالثاً في الانتخابات الأخيرة، في حين جاء الائتلافان اللذان لم تتواصل الولايات المتحدة معهما، في العلن على الأقل، بالمركزين الأول والثاني.

كشفت نتائج الانتخابات عن حقيقة أن راسمي السياسات الأميركية ما زالوا غير قادرين على إصدار أحكام موضوعية في محلها بما يختص بالشأن العراقي، وذلك لقصور في تفهم آليات الديناميات السياسية المعقدة في هذا البلد على الرغم من انشغالهم بشأنه عن قرب منذ مطلع تسعينيات القرن المنصرم.

وكشفت كذلك عن حقيقة أن رئيس الوزراء العبادي لم ينجح في ترك بصمة قوية على المشهد السياسي العراقي، في الوقت الذي كان بإمكانه فعل ذلك بحكم الدعم الذي لقيه محلياً وإقليمياً ودولياً على مدى أربع سنوات من ولايته ورغم نواياه الحسنة.

فهو لم يتمكن، وربما لم يرغب، في قطع أواصر ارتباطاته السياسية المعيقة لانفتاحه على المستقبل ومواجهة تركة سلفه المثقلة بالخطايا بحق الشعب العراقي، وهو مما تسبب بخيبة أمل كبيرة في الأوساط المحلية، وخيبة أمل أكبر في الدوائر الغربية التي راهنت على نجاحات ائتلافه.

فوز ائتلاف سائرون الذي يتزعمه مقتدى الصدر الذي حرص منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 على إبعاد نفسه عن أي شكل من أشكال الرضا بالوجود الأميركي في العراق، وعبر عن ذلك بطرائق شتى، يطرح تساؤلات حول موقف الولايات المتحدة من المفاوضات الجارية لتشكيل الحكومة القادمة.

حيث اتسمت تصريحات المسؤولين الأميركيين حول نتائج الانتخابات غير المسرة لها بالحذر، فعلى الرغم من أن الصدر أصبح في الآونة الأخيرة أقل صداماً مع الولايات المتحدة عن ذي قبل، إلا أنه لا يخفي حذره من مآلات العلاقة معها. إلا أن هناك ما هو أكثر مدعاة للقلق لدى واشنطن هو مجيء ائتلاف «الفتح» في المركز الثاني وهو ائتلاف يضم الفصائل الأكثر معاداة وكراهية لواشنطن والأكثر قرباً من طهران.

هيئة الحكومة العراقية القادمة وبرنامج عملها له أهمية استثنائية على مستقبل الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط، ومن المتوقع في ضوء ذلك أن يكون للولايات المتحدة دور أكبر من الأدوار المتنوعة الأساليب التي تمارسها الدول الأخرى في المحادثات الجارية، والتي تتضمن دعم بعض المرشحين أو تقريب وجهات النظر أو تحييد بعضها أو تقديم الوعود أو ممارسة الضغوطات بهذه الوسيلة أو تلك.

فإدارة الرئيس الأميركي ترامب لم تكتفِ بإطلاق التصريحات كردود أفعال لأحداث يصنعها آخرون بل بدأت فعلاً بصناعة أحداث مهمة على المستويين الإقليمي والدولي لإعادة صياغة توازنات المنطقة من منظور مخالف لمنظور إدارة سلفها.

فالعمليات العسكرية التي نفذتها في سوريا ضد النظام ودعوتها لخروج جميع القوات الأجنبية منها والانسحاب من الاتفاقية النووية مع إيران وإعادة فرض العقوبات عليها وتوسيعها مع جملة قضايا أخرى تجعل الأرضية السياسية في المنطقة ممهدة لمواجهة كبيرة مع إيران.

وبالتالي الاصطدام مع حلفائها في أكثر من دولة، سيما وأن واشنطن تضع معظم هؤلاء الحلفاء في خانة المنظمات الإرهابية، وهو مما يجعل مهمة الحكومة القادمة في العراق شاقة جداً.

حظوظ العبادي في ولاية ثانية أفضل من حظوظ غيره إلا أنها مقيدة ببرنامج عمل يتفق عليه المؤتلفون مع «سائرون» إذ سيكون عليه مواجهة ملفات آثر عدم فتحها في ولايته الأولى وقد يضطر، وهو الأصعب، لخوض مواجهات لا تخلو من العنف مع من كان في تحالف معهم.

نتائج الانتخابات لم ترق للكثيرين من الطبقة السياسية التي تقف ضد التغيير حرصاً منها على التمسك بهيكلية العملية السياسية التي انتفعت من خلالها، مادياً ووجاهياً.

فقد فجرت زوبعة من التشكيك والطعن بنزاهتها لوضع العقبات أمام الفائزين فيها، وذهبت إلى حد المطالبة بإلغائها، واستخدمت مجلس النواب الذي لم يتبق من عمره سوى أسابيع قليلة لاتخاذ قرارات ليست من صلاحياته لإضفاء قدر من الشرعية على محاولاتها المحمومة لإجهاض النجاح الذي حققه ائتلاف سائرون، دون النظر إلى أن من تبعات ذلك تفجير أزمة سياسية في البلاد قد تقود إلى ما لا تحمد عقباه.

 

تعليقات

تعليقات