ضوابط تجديد الخطاب الديني

تطرق أبواب الخطاب الديني باستمرار قضية التجديد، وهو أمر ملح في سائر المجالات ذات الصلة بمخاطبة الناس وتشكيل آرائهم وأفكارهم، لأن الحياة دوامة من المتغيرات والمستجدات، وهي في حركة مستمرة، مما يقتضي أن تكون طبيعة الخطاب وآلياته مواكبة لذلك، بالقدر الذي يحقق مقاصد الخطاب الديني وغاياته المنشودة.

وإنَّ أُولى أبجديات التجديد الديني أنه يدور في فلك ثوابت مركزية، لا يحيد عنها، ومن أبرز هذه الثوابت الأصيلة أركان الإيمان والإسلام المتفق عليها بين المسلمين، إذْ لا يُتصور أن يكون التجديد مثلاً بإنكار اليوم الآخر، أو بإنكار رسالات الأنبياء، أو بإنكار الصلاة والصيام والزكاة والحج، فإنَّ المساس بهذه الثوابت الكبرى يحوِّل التجديد إلى تبديد، ويخلق فوضى عارمة لا منتهى لها، ويفتح باب التأويلات الباطنية التي يمكن فيها إلصاق أي معنى بأي نص من دون أي سند علمي، وبالتالي خلق صراعات فكرية مريرة غير مأمونة العواقب.

وثاني أبجديات التجديد الديني أنه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمصادر الأصلية التي هي منبع الشريعة وموردها العذب، وهي القرآن والسنة والإجماع الثابت والقياس الصحيح، ومن هذا المعين الزلال يرتوي المجددون عبر العصور، ليقدموا للناس الخطاب الديني الأمثل الجامع بين العلم والحكمة، المستنير بنور الشرع الحنيف، القائم على الاستنباطات الدينية الوسطية المعتدلة الموافقة لمقتضى الشرع واللغة وأصول الاستنباط الصحيح، وإذا احتجب الخطاب الديني عن مصابيح الشريعة ذهب نوره، وران عليه الظلام، ولم يلامس العقول والقلوب.

ومن مقتضيات التجديد الديني مراعاة البلاغة وأدب الخطاب، باختيار أنسب العبارات الدالة على أبلغ المعاني، وأكثرها تأثيراً في النفوس، وكذلك مراعاة فقه الأولويات، بأن يبدأ الداعية بتقديم المواضيع الأهم، وما تمس الحاجة إليه، مواكبًا حاجات المجتمع وتحدياته، ليكون الخطاب وثيق الصلة بالناس، يحسّن أحوالهم، ويبث فيهم القيم الإيجابية، وكذلك مراعاة فقه المصالح، فمقصود الدين جلب المصالح للناس، ودرء المفاسد عنهم، وتحقيق سعادتهم الدنيوية والأخروية، فكل خطاب ديني يفتح عليهم أبواب المفاسد والشرور لا صلة له بالشريعة الغراء.

ومن صور التجديد الديني الاجتهاد الفقهي المنوط بالعلماء المجتهدين والقائم على اختيار أنسب الأحكام الفقهية للأفراد والمجتمعات شرعاً ومصلحة، وقد اهتم العلماء بهذا النوع اهتماماً كبيراً، وخصصوا له باباً في أصول الفقه يسمى باب الاجتهاد، تناولوا فيه أهميته وشروطه وأحكامه، ومارسوه عملياً عبر اجتهاداتهم الفقهية الرصينة في تصانيفهم وفتاويهم، وقدموا للأجيال ثروة فقهية غنية مدعومة بالأدلة الشرعية والمصالح المرعية، وباب الاجتهاد مفتوح عبر العصور لأهله المختصين به، وخاصة فيما يستجد من النوازل الفقهية، والفتاوى التي تتغير بتغير الزمان والمكان.

والتجديد الديني ليس مجرد ترف فكري عارض، بل له مقاصد عليا يهدف لها، منها حماية الضروريات الكبرى، وحفظ الأمن والاستقرار في الأوطان، لتُحفظ الدماء، وتُصان الأنفس، وكل ما يخل بالضروريات والمصالح العليا فليس من التجديد في شيء، وعلى رأس ذلك شرعنة الثورات، وإسقاط الأنظمة، والتحريض ضد الدول، ونشر الخطاب الطائفي، والفوضى الفكرية، وهدم الثوابت الدينية والوطنية، فإن لذلك مفاسد كبرى، وأضراراً عظمى، والواقع خير شاهد على ذلك.

ومن أهم مقاصد تجديد الخطاب الديني في الواقع الراهن مواجهة الإرهاب بكافة صوره، مواجهة حقيقية بخطاب ديني وسطي فاعل، يقتلع الأفكار الإرهابية من جذورها، ويجفف منابعها، وإن من التحديات الكبرى في هذا الميدان بروز نسخ فكرية إرهابية جديدة باسم التجديد الديني، وخلق إرهابيين جدد بأثواب عصرانية حديثة، فبينما كان الإرهابيون التقليديون يرفعون شعار الجهاد لإعلاء كلمة الله لشرعنة عملياتهم الإرهابية، يستنسخ غيرهم نفس النسخة بنفس الشعارات، ولكن بثوب تنويري جديد، فكلمة الله العليا هي الحريات، وعلى رأسها الحريات السياسية، والجهاد في سبيل الله هو كل عمل يراد به تحصيل هذه الحريات، وصولاً إلى المواجهة المسلحة مع الأنظمة، وهذا التفسير العصراني التنويري الجديد للجهاد لا يختلف عن التفسير الداعشي القديم إلا في نوعية المبررات المطروحة، فالمبررات تعددت، والإرهاب واحد!!

ومن التحديات التي تواجه التجديد الديني الاستسلام المطلق للواقع بإيجابياته وسلبياته، والغلو في ذلك، بحيث يصبح الواقع مصدراً لاستمداد الأحكام الشرعية، مهيمناً على الشرع والعقل، مقدماً على المصلحة الحقيقية للأفراد والمجتمعات والأوطان، والأعجب أن يكون هذا الواقع لا صلة له بالمجتمعات الإسلامية من قريب أو بعيد، فإذا انتشرت في بعض مجتمعات الأرض ظاهرة العلاقات الجنسية بين غير المتزوجين يتم تحوير النص الديني لإباحة ذلك، وإذا تطور الأمر لاحقاً وانتشرت هذه الظاهرة بين المتزوجين أنفسهم خارج إطار الزوجية وأصبح مقبولاً في تلك المجتمعات يتم تحوير النص الديني مرة أخرى لإباحة هذه الجزئية تحت ستار تفسير معين، وإذا تراجعت هذه المجتمعات عن هذه العلاقات واستهجنتها يتم إعادة الحكم الديني إلى دائرة التحريم، وهكذا دواليك، ومن أسباب هذا الجنوح الفكري عقدة الشعور بالنقص، والنظرة الدونية للمجتمعات العربية والإسلامية، وتقديس غيرها، بحيث تصبح تلك المجتمعات مصدر الإلهام والتنوير، ويصبح أدعياء التجديد مجرد مسوقين لمنتجات المجتمعات الأخرى، دون تفكير علمي نقدي، ودون رؤية إبداعية تبحث عن التميز والريادة، ودون ميزان سليم ينفتح على العالم وفق مبدأ اختيار الأصلح والأنفع وترك الرديء الضار.

إن تجديد الخطاب الديني مسؤولية كبرى، ومن واجب العلماء والدعاة الاجتهاد في تقديم الخطاب الأمثل الذي يحقق مقاصد الشريعة ومصالح البشرية ويمدهم بقيم النهضة والرقي والازدهار.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات