كلمة فـي الإعلام الأفريقي

هناك مقولة لكاتب صحافي كبير يقول فيها: «الفهم مطلوب قبل الحُكم باستمرار، ولكنه ضروري إلى الحد اللازم، ولكن ليس بعده، لأن الزيادة في الفهم قد تجنح بالأحكام إلى حيث تضيعُ الحدود، والبشر إذا زاد فهمهم قدروا، وإذا قدروا فقد تركوا التسامح يغلبهم وعذروا، وإذا عذروا فإنهم في اللحظة نفسها وإن لم يقصدوا غفروا، والغُفران ليس مُلك البشر، وإنما مُلك التاريخ وحده، بمقدار ما التاريخ كلّه مملكة لله».

تلك العبارات كانت مُجمل حديثي مع نفسي وأنا مُتجهة إلى قناة أفريقيا العالمية التي وجهت لي دعوة كريمة للحديث عن أهمية العلاقات الخليجية الأفريقية، ومن باب حرصي على إرسال رسالة إلى بعض النخب الأفريقية المُثقفة التي ترى في العلاقات الخليجية الأفريقية نوعاً من الاستعمار الجديد يحاول فرض نفسه عليها، وجدتُ نفسي حينها أمام مهمة شاقة لن تؤتي أكلها ولن تحقق مُبتغاها في حوار تلفزيوني مدته ساعتان، فآثرتُ الاجتهاد في الحديث عن تاريخ العلاقات الخليجية الأفريقية التي سبقت الاستعمار الأوروبي لأفريقيا بقرون، تلك التي بدأت مع الفتوحات الإسلامية وتعززت وشائجها بقوافل الحج المُتدفقة من عموم القارة الأفريقية إلى شبه الجزيرة العربية، ولم أنسَ أن أضرب الأمثلة لأهم الزعماء الأفارقة الذين كان لهم دور في تعزيز التعليم الثقافي والديني ونشر اللغة العربية في أفريقيا، وإنعاش طرق الحج للأراضي المقدسة مثل الشيخ كانجا مانسا موسى، الذي أسس جامعة سانكوري التي تُعد مركز العلم في أفريقيا، الذي كان يوزع الذهب على كل من كان يُقابله أثناء رحلته من مالي إلى مكة المكرمة، ما تسبب في انخفاض سعر الذهب، ودخل اقتصاد العالم في تلك الحقبة من الزمن في حالة تضخم لعشرين عاماً بسبب تلك الرحلة، كما تناولت في حديثي الدور الثقافي الذي يمكن أن تلعبه الجامعات الخليجية بالتعاون مع الجامعات الأفريقية المدعومة خليجياً مثل الجامعة الإسلامية في جزر القمر، ومركز جابر الأحمد التعليمي في السنغال، وجامعة الصومال للعلوم الطبية، وجامعة فيصل في تشاد، خاصة أن دول الخليج كانت قد دعمت مؤتمر اتحاد الجامعات الأفريقية في مايو 2017، الذي كان لي شرف حضوره والتحدث من خلاله عن أهمية تعزيز العلاقات الخليجية الأفريقية ثقافياً، من خلال المُنتديات الثقافية التي تعقد في الجامعات الأفريقية.

هناك محوران رئيسان دائماً ما أتناولهما في حديثي مع الإعلام الأفريقي، هما: العمالة الأفريقية في دول الخليج العربي، والحضور الخليجي في القارة الأفريقية، إذ تحظى العمالة الأفريقية في دول الخليج بالكثير من الاهتمام والرعاية، وتُمارس تلك العمالة دورها المُناط بها بكل حرفية، فهي شريكة في مسيرة التطور والنهضة التي تشهدها مختلف القطاعات الخدمية في دول الخليج العربي، أما فيما يتعلق بالحضور الخليجي في أفريقيا فهو حضور اقتصادي استثماري، جاء متفوقاً على الحضور السياسي، فالجانب الخليجي يفتقر معرفياً لحقيقة أفريقيا وأزماتها المُتلاحقة، التي لا بد من دراستها لوضع استراتيجيات لتقريب وجهات النظر بين الجانبين، ما يُسهل المُشاركة الخليجية في فهم تلك الأزمات، ومن ثَمّ المشاركة في حلها، أما الجانب الأفريقي فعلى الرغم من وجود الكوادر البشرية المُتعلمة صاحبة الرؤية السياسية الاقتصادية الواعدة فإنها تحتاج إلى دعم على جميع المستويات لتحويل تلك الرؤية إلى واقع، ومن الجدير بالذكر أن هناك رأياً يسود في بعض العواصم الأفريقية، وأخشى أن يتحول إلى ظاهرة مشتركة بين دول الخليج وبعض الدول الأفريقية، وهو أن بعض الدول الأفريقية ترى أن وجود سفارات وقنصليات لها في بعض الدول الخليجية سيغُنيها عن باقي الدول، وفي المقابل ترى بعض الدول الخليجية أن وجود سفارة لها في بعض الدول الأفريقية المُرشحة لقيادة ركب التطور في أفريقيا سيغنيها عن البقية الباقية، وهذا غير صحيح، فكل دولة من الجانبين لها أهميتها ودورها الذي يُمكن أن نراهن عليه للوصول بتلك العلاقات بما ينفع الجانبين

هناك ورقة رابحة وداعمة لقضية العلاقات الخليجية الأفريقية، هي ورقة المواليد، ومنهم الأفارقة الذين كانوا حجاجاً للأماكن المقدسة وبقوا فيها، والبعض الآخر هاجر من الوسط والغرب الأفريقي بعد الاستعمار الأوروبي، واستقر به الحال في شبه جزيرة العرب، ولم يخرجوا منها حتى تاريخ كتابتي هذه السطور، وهنا نتحدث عن أجيال ممتدة باتت جزءاً لا يتجزأ من عموم شبه الجزيرة العربية، ومنهم من له إسهامات علمية وأدبية في المجتمعات الخليجية، مثل الأديب التشادي الدكتور آدم يوسف، الذي استضافته القناة الثقافية السعودية في مايو2017، ولذلك لا بد من العمل لكسب تلك النخب، فهم حجر الأساس لإرساء العلاقات الخليجية الأفريقية، وهم الجسر الأول الذي يمكن أن تعبر من خلالة رؤية خليجية مستقبلية لأفريقيا المُستقبل في القرن الحادي والعشرين.

تعليقات

تعليقات