في الدعوة لمساءلة الديمقراطية

ثلاثة انتخابات محلية وتشريعية جرت خلال الأيام الأخيرة في ثلاث دول عربية، أسفرت عن عودة القوى التي طالما سيطرت على المشهد السياسي من الطبقة السياسية الحاكمة، مع تبدل في بعض التحالفات وتباين في الأحجام والنسب، ولم تسلم من التشكيك في شفافيتها وحيدتها، وأجمعت ثلاثتها على نسبة مشاركة ضعيفة من قبل الناخبين، وأفرزت ظاهرة المستقلين، مع أن الدول الثلاث تتخذ من التعدد الحزبي نظاما سياسيا لها.

في الانتخابات البلدية التي جرت في تونس، وينظر إليها المراقبون وحزب النهضة الإخواني على وجه الخصوص، على أنها مؤشر على مستقبل الانتخابات الرئاسية التي ستجرى نهاية عام 2019، حصلت القوائم المستقلة على المركز الأول من الأصوات بنسبة وصلت إلى 32.9% فيما حل حزب النهضة الإخواني في المركز الثاني بنسبة بلغت 29.6% وحصل حزب نداء تونس على المرتبة الثالثة بنسبة بلغت 22.7%من الأصوات بينما بلغت نسبة المشاركة في التصويت أقل من 21 % من الناخبين.

وتجدد هذه النتائج المخاوف من عودة الحديث عن التحالفات الحكومية الهشة التي قادت البلاد في أعقاب سقوط حكم بن علي وتصدرتها مناورات الأحزاب الدينية بقيادة حركة النهضة، وفشلت في تقديم نموذج تنموي يخرج البلاد من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وفي لبنان شكل قانون الانتخاب النسبي الجديد سجالا حادا قبيل إجراء الانتخاب وفي النتائج المترتبة عليه، لكنه لم يلغ نظام المحاصصة الطائفية. وكان أبرز تلك النتائج خسارة تيار المستقبل الذي يقوده سعد الحريري لثلث المقاعد التي كانت له في برلمان 2009، حيث حصل على 21 مقعدا، بدلا من 33 مقعدا كانت قد شكلت له أغلبية مع المتحالفين معه في المجلس النيابي التي انتهت ولايته.

كما عززت النتائج فوز حزب الله وحركة أمل بأكثر من نصف مقاعد مجلس النواب البالغة 128، هذا فضلا عن فوز 13 نائبا مستقلا، وانخفاض نسبة التصويت إلى 49.2% مقارنة بنسبة 54% في الانتخابات التي سبقتها، مما يرجح أن تعود التشكيلة الحكومية التي قادت البلاد خلال العقد الماضي، إلى مواقعها من جديد، بجانب التعقيدات الدولية والإقليمية، فضلا عن العقوبات الخليجية والأميركية التي طالت قيادات حزب الله، مما يرجح صعوبات التوفيق في التشكيلة الحكومية المقبلة بين سياسة النأي بالنفس، وانخراط حزب الله في الصراعات الإقليمية، لاسيما بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران، وعجز الأوروبيين عن مواصلة الصمود في مواجهة الموقف الأميركي، الذي بات يهددهم بحرب تجارية في حال استمر تمسكهم بالاتفاق.

لم يكن الوضع أسعد حالا في الانتخابات العراقية، حيث وصفت نسبة المشاركة في التصويت البالغة 44% بأنها الأضعف، وبأن القانون الانتخابي تم تفصيله لصالح الأحزاب الدينية والمذهبية على حساب التيارات المدنية، رغم تقدم «سائرون» المتحالف مع قوى مدنية وشيوعية، وأن التركيبة الطائفية التي قادت البلاد إلى أزماتها الطاحنة، قد تعود مجددا لصدارة المشهد لتشكيل الحكومة من تحالفات «الفتح» و«النصر» و«الحكمة» وغيرها من الائتلافات الدينية، التي حازت أكثرية مقاعد البرلمان البالغ عدده 328 مقعدا.

المشترك بين التجارب الانتخابية الثلاث أنها قد تعيد بعض القوى التي فقدت مصداقيتها لسدة الحكم، لتكرر فشلها، وتختزل الديمقراطية في مجرد إجراء التصويت. والأخطر من كل هذا أنها تستخدم آليات الديمقراطية، لتقوض بها الدولة الوطنية لصالح إحياء دولة الولي الفقيه الفاشلة، بالخلط المتعمد بين الدين والسياسة، عبر حملات محمومة لاقتناص الأصوات، وبتكريس الواقع الطائفي والمذهبي في تلك البلاد، الذي يغدو في ظله السيطرة على ضحاياه وإخضاعهم أقل كلفة، بعد أن يترسخ في ذهنهم الخنوع والتصويت ضد مصالحهم، باعتباره إرادة إلهية !

طباعة Email
تعليقات

تعليقات