الطريق إلى الفوضى غير الخلاقة

نشأت عصبة الأمم عام 1919، كممثل لعالم القانون والنظام والشرعية الدولية، بناءً على فكرة بريطانية تبناها الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، صاحب المبادئ الأربعة عشر الشهيرة من الحزب الديمقراطي. لكن الكونغرس الأميركي بزعامة الأغلبية الجمهورية وقتذاك، رفض التصديق على ميثاق العصبة أو الانضمام إليها، بذريعة أنها «محاولة من القوى الأوروبية الكبرى للاستئثار بغنائم الحرب العالمية الأولى».

غياب الولايات المتحدة عن العصبة وإيثارها لما عرف بسياسة العزلة وعدم الانغماس عميقاً في القضايا الدولية، كان سبباً رئيسياً وراء إخفاق التجربة. وقد عجل بتفكك العصبة واستبدالها غداة الحرب العالمية الثانية بالأمم المتحدة، وذلك بسبب افتقادها للقوة المسلحة، واعتمادها على اتخاذ قراراتها بالإجماع، وانشغال الدول دائمة العضوية بمجلسها، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان، بمراعاة مصالحهم الاستعمارية وإهمالهم مظالم معظم شعوب العالم.

انهارت العصبة لأن محددات عملها والبيئة المحيطة بها، لم تمكنها من إعمال مبادئ ويلسون ولا أية مثل أخلاقية أو قواعد قانونية مشابهة، ولا سمحت لها بالضرب على أيدي الأقوياء المستعمرين أو ردعهم في طول العالم وعرضه. وفي وجودها، ارتدت معظم الدول الرابضة على قمة النظام الدولي، إلى أولوية التوسل بالقوة المسلحة والتحالفات المصلحية على أسس أيديولوجية أو مادية، بمعزل عن الضوابط الحقوقية، الأمر الذي أفضى لاندلاع الحرب العالمية الثانية.

سياسات إدارة الرئيس الأميركي الجمهوري دونالد ترامب، وأنماط تعاطيها مع القضايا الدولية الساخنة والقرارات الموصولة بها، ولاسيما الصادرة عن الأمم المتحدة، تغري باستحضار تجربة قيام عصبة الأمم وأفولها. فإذا كانت واشنطن قد التزمت فيما بين الحربين العالميتين بالعزلة السلبية، ولم تكترث بالجدية اللازمة بما يدور بين الأوروبيين من منافسات وانفلاتات من قوانين العصبة وقيودها، فإنها توشك راهناً على الأخذ بسياسة العزلة المدمرة إزاء الأمم المتحدة؛ التي تحاكي إلى حد كبير ما كان يفعله الأوروبيون في زمن العصبة.

من تجليات هذه المحاكاة ومبرراتها، أن إدارة ترامب دأبت على إهمال القوانين والأعراف الدولية وقرارات التنظيمات الساهرة عليها بما فيها الأمم المتحدة، وراحت تستسهل الخروج ومغادرة أو التهديد بمغادرة المنظمات التي لا تخضع لإملاءاتها. نلمس هذا التوجه بين يدي الانسحاب أحادي الجانب من منظمة اليونسكو، والوعود الخاصة باتخاذ خطوات مماثلة مع اتفاقية المناخ، وبعض اتفاقات التجارة العالمية وتشجيع الميول الانعزالية لدى الداعين لتفكيك الاتحاد الأوروبي. هذا علاوة على تنكرها للوضع القانوني الدولي لمدينة القدس، بدءاً من قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947، إلى بقية قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، والاتفاقات العربية الإسرائيلية، والفلسطينية الإسرائيلية ذات الصلة.

هذه التصرفات والسلوكيات والمنهج الناظم لها، توارب الباب أمام أية قوة إقليمية أو دولية تتحرق للمروق والتحلل من أي التزامات حقوقية تراها مقيّدة لطموحاتها أو مجافية لأطماعها. ومن المعلوم أن إسرائيل تقع في طليعة هذه القوى ولها فضل السبق بينها. فمنذ اليوم التالي لإعلان قيامها قبل سبعين عاماً، لم تأبه للقوانين والقرارات الأممية. حتى أنها لم تطبق إلى ساعتنا هذه شروط قبولها عضواً بالأمم المتحدة عام 1949.

عبوس واشنطن في وجه القوانين والتقاليد والأطر المنظمة للعلاقات الدولية التي أهلكت الخليقة وقتاً وجهداً وتضحيات جسام إلى أن استقرت عليها؛ وانبعاث رائحة عقدة رسالة الرجل الأبيض ووصايته في أجواء السياسة الأميركية، كافتتاح السفارة الأميركية بالقدس في يوم ذكرى اغتصاب فلسطين. هذه المشاهد ونحوها ربما أدت إلى كوارث في الفضاءات الإقليمية والدولية؛ ولن تكون الفوضى المحيطة بالقضية الفلسطينية وتفاقم الصراع على أرض فلسطين التاريخية سوى بعض منها.

نتحدث هنا عن انتشار حقائق وأنماط تعامل دولي ساهمت ذات مرحلة في تقويض عصبة الأمم، بما أدى تالياً إلى اندلاع حرب ضروس. هذا نذير يقتضي اليقظة والاستدراك من كل الغيورين على السلم والأمن الدوليين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات