فرص الاتفاق النووي مع إيران ضعيفة

مع وصول الرئيس ترامب لسدة الحكم بدأت مراكز البحوث والدراسات في الولايات المتحدة وخارجها تواجه صعوبات في التنبؤ بمستقبل السياسات الخارجية الأميركية التي اختطها من سبقوه تجاه قضايا عالمية هامة في الشرق الأوسط وفي جنوب شرقي آسيا. فالرئيس ترامب يختلف عنهم في مقارباته المباشرة، فهو يعني ما يقول وينفذ الأجندة الانتخابية التي حملته إلى البيت الأبيض.

فمنذ دخوله المكتب البيضاوي انسحبت الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ ومن اتفاقية التجارة عبر المحيط الهادي ومن منظمة يونسكو، انسحابات حظيت بقدر من الاهتمام، محلياً ودولياً، يتناسب مع حجوم تأثيراتها على الاقتصاد الأميركي وعلى الدور الذي تلعبه واشنطن عالمياً.

إلا أن الانسحاب من الاتفاقية النووية مع إيران لا يشبه سابقاتها فهي اتفاقية استغرقت تسع سنوات من المفاوضات الماراثونية لإنجازها واشتركت الدول العظمى زائد ألمانيا كأطراف فيها لأهميتها وقد حرصت إدارة الرئيس السابق أوباما على تسويقها كأبرز إنجاز لها على مستوى السياسة الخارجية.

إدارة الرئيس ترامب تنسحب من هذه الاتفاقية وتعيد فرض العقوبات على إيران وقد فشلت الجهود التي بذلها شركاؤها الأوروبيون، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، في حملها على التراجع أو تأجيل اتخاذ القرار. فهذه الإدارة لا تكتفي بالانسحاب من الاتفاقية بل تهدف لتمزيقها وإقناع الأطراف الأخرى بالانسحاب منها كذلك.

السؤال المطروح هل يمكن الإبقاء على الاتفاقية؟ وهل تستطيع أوروبا التي تطالب بذلك توفير مستلزمات حمايتها؟ المساحة المتاحة لها للمناورة تبدو محدودة في مواجهة الموقف المتشدد جداً لإدارة الرئيس ترامب التي رتبت أوراقها للوصول إلى حلول حاسمة بشأن الموقف من إيران عموماً وليس من إيران النووية فحسب.

هذه الاتفاقية ما كان لها أن تُطرح على بساط البحث وتكتسب أهمية خاصة على المستويين الإقليمي والدولي لولا الولايات المتحدة فهي الدولة الوحيدة القادرة على جمع الأطراف ذوي العلاقة للتحاور وهي الدولة الوحيدة القادرة على فرض العقوبات الموجعة على الدول بحكم سيطرتها على الاقتصاد العالمي وعلى النظام المصرفي الدولي.

لذلك ليس بقدرة أوروبا التهرب من دفع ضريبة القرار الأميركي وليس أمامها سوى ممارسة الدور الذي ترسمه الولايات المتحدة لها وهو ممارسة الضغوط على طهران لإفهامها بأنها أمام خيار واحد وهو الموافقة على إعادة التفاوض على برنامجها النووي وفق معطيات جديدة أهملتها الإدارة الأميركية السابقة مستغلين حالة الضعف التي تمر بها إيران على المستوى المحلي .

وتداعي نفوذها على أكثر من مسرح إقليمي ولا سيما أنها تفتقر إلى حلفاء قادرين على تعويضها ما تفقده من تراجع صلاتها مع الغرب.

القدرات على الاحتواء وعلى فرض العقوبات هي السلاح الأقوى لدى الولايات المتحدة لمواجهة خصومها في حالة السلم، هذه القدرات هي التي تقف حائلاً بين معظم الشركات الغربية وطهران وتعيق التعاون بينهما لأن منتجاتها تحتوي على أجزاء من صناعات أمريكية، فأوروبا غير قادرة على إدامة القنوات الاقتصادية والتجارية التي أعيد فتحها مع إيران بعد رفع العقوبات، إذ من الصعوبة بمكان أن تتمكن من حماية شركاتها التي تتعامل مع إيران من العقوبات الأميركية.

الخلاف بين واشنطن والعواصم الأوروبية الثلاث لا يرقى إلى مستوى يمكن لطهران أن تراهن عليه، فمن المستبعد أن تعمد أوروبا إلى تعميق خلافاتها مع واشنطن فليس هناك ما يغري بذلك ولا سيما أن إيران ليست بالدولة التي قد يراهن الغرب الأوروبي على الاصطفاف إلى جانبها.

ففي نهاية المطاف سترى هذه العواصم أن إدامة مصالحها الاستراتيجية مع واشنطن أهم كثيراً من مصالحها الآنية مع طهران هذا إضافة إلى أنها لا تخفي تقاربها مع طروح الرئيس ترامب في ما يتعلق بالقلق من برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية ومن سياسات طهران المزعزعة للاستقرار في المنطقة.

الموقف الإيراني قد تراجع عن تشدده بالتهديد بالعودة الفورية لتخصيب اليورانيوم إلى الإعلان عن الالتزام بالاتفاقية، ففي تصريح للرئيس الإيراني روحاني في الثالث عشر من مايو الجاري أعلن فيه «إذا التزمت الدول الأخرى الاتفاق فإن إيران ستبقى فيه..»، إيران حريصة على الإبقاء على الاتفاقية إذا حصلت على ضمانات بعدم مقاطعة الأطراف الآخرين لها اقتصادياً وهو أمر من المرجح ألا يتحقق.

وتعزيزاً للجهود الأوروبية لإنقاذ الاتفاقية على الرغم من الانسحاب الأميركي دخلت روسيا على الخط مطالبة طهران بتقديم بعض التنازلات من غير الدخول في تفاصيل حول ذلك.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات