التأثير العربي ودعم الدولة الفلسطينية

رغم المعوقات التي تكتنف حلّ الدولتين، بسبب كثافة الاستيطان الإسرائيلي ومصادرة أراضي الفلسطينيين والموقف الإسرائيلي الرافض لهذا الحل، وإقامة الجدار الفاصل العنصري والطرق الالتفافية، ومن ثم تقليص المساحة المخصصة لإقامة الدولة الفلسطينية، فإن هذا الحل يبقى هو الحل المعترف به دولياً والمقبول عربياً وفلسطينياً، على الأقل من الزاوية الرسمية والحكومية وتدعمه القرارات الدولية الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة.

ومن ثم فإن حلّ الدولتين يبقى هو الهدف والمحفز للتفكير حتى إشعار آخر، رغم أن الأفكار الواردة هنا قد لا تقتصر على حلّ الدولتين، وتتجاوز حدود هذا الحل؛ لتصبّ في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي عامة، ومع ذلك فإن هذه الأفكار قد تصلح - في حال مناقشتها وثبوت صلاحيتها - لكسب معركة ولو صغيرة في سياق هذا الحل.

يتوقف الأمر على ما إذا كنا نرى أن ثمة أفقاً للتأثير العربي في المجال الدولي لدعم إقامة الدولة الفلسطينية، ذلك أن رؤيتنا للواقع قد تتحدّد على ضوء الإجابة عن التساؤل المطروح؛ إذا كانت الإجابة عن هذا التساؤل بالإيجاب أي أن ثمة مجالاً وأفقاً للتأثير العربي في المجال الدولي لدعم إقامة الدولة الفلسطينية، فإننا حينئذ سنبحث ونرى في الواقع العربي إمكانات جديدة وكامنة ينبغي أن تُستنهض، ويتم تفعيلها في سياق دفع القضية الفلسطينية ودعم إقامة الدولة الفلسطينية، ومن بين هذه الإمكانات موقع العالم العربي الاستراتيجي والجغرافي الاستراتيجي.

وكذلك أن العالم العربي هو المنطقة المحيطة بإسرائيل وجوارها الجغرافي الذي تسعى للاندماج فيه والاعتراف بها، كما أن العمق الحضاري والتاريخي والثقافي العربي يمكّنه الصمود والاستجابة للتحدي المطروح من قبل إسرائيل والمتمثل في رفض إقامة الدولة الفلسطينية، رغم الخلل في موازين القوى بالمعنى المتغير وليس بالمعنى الثابت، أي الموارد الجغرافية والبشرية والاقتصادية، كذلك فإن مقاومة المشروع الصهيوني قد لازمت هذا المشروع منذ بدايته حتى الآن.

من ناحية أخرى فإن الوجود العربي في المحافل الدولية وبالذات هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها، قد أثبت فاعلية الدبلوماسية العربية في مواجهة قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة للدولة الإسرائيلية، يضاف إلى ما تقدم أن المواجهة العربية الإسرائيلية امتدت طوال المئة عام منذ وعد بلفور حتى الآن، وأن إسرائيل رغم انتصارها العسكري لم تحصل بعد على العلاقات الطبيعية مع المحيط العربي، وربط ذلك بحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه في الدولة والقدس.

ولا شك أن الأفكار المطروحة في هذه الورقة لا تمثل بديلاً لتغيير موازين القوى على الأرض، من خلال المقاومة طويلة المدى لإسرائيل والاحتلال، وبلورة رؤية استراتيجية جديدة مدعومة عربياً تتلاءم ومعطيات الموقف الراهن، ومن ثم فإن تزاوج الأفكار مع خطة عمل ميدانية هما وجهان لعملة واحدة.

كما أن مثل هذه الأفكار في حالة ثبوت صلاحيتها العملية والميدانية والمنطقية، فإنها تبقى في النهاية مرتبطة بإدراجها ضمن منظومة إعلامية وسياسية عربية، وآليات تنظيمية تكفل لها الفاعلية والتأثير والمتابعة وتقييم المسار مرحلة بعد أخرى، وذلك لا ينفي قدرة الأفكار على تحولها بالإرادة الإنسانية والوعي إلى قوة فعلية ومؤثرة في مجريات الواقع.

لكي يكون التأثير العربي في المجال الدولي لدعم إقامة الدولة الفلسطينية فعالاً، ينبغي أن يرتكز على مجموعة من المبادئ التي تمثل خلفية هذا التأثير وتضمن فاعليته؛ وفي الحالة الراهنة يمكن أن نسوق عدداً من المبادئ الأساسية التي تؤطر هذا التأثير:

في التكوين التاريخي للقضية الفلسطينية دخل المكون العربي والإسلامي والدولي والمحلي منذ بدايات الصراع العربي الإسرائيلي قبل نشأة إسرائيل وبعدها، فالقضية الفلسطينية بقدر ما هي فلسطينية فهي أيضاً عربية وإسلامية، بل ودولية تهم الضمير العالمي والإنساني ككل، ومن ثم أن تحافظ القضية الفلسطينية على طابعها العروبي والإسلامي باعتبار هذه الأبعاد تمثل العمق الحضاري والتاريخي والجغرافي للقضية الفلسطينية.

ومن ناحية أخرى، فإن الخطر الإسرائيلي لا يقتصر فحسب على الشعب الفلسطيني بل هو أحد الأخطار التي تهدد المنطقة بأسرها، ومن ثم فإن تقليص الجموح الإسرائيلي يصبّ في صالح المنطقة العربية والعالم الإسلامي من خلال انتزاع الاعتراف بالدولة الفلسطينية والقدس الشرقية عاصمتها.

 

 

تعليقات

تعليقات