من يخلف من في الإدارة؟

أكاد أجزم أن من أكثر التحديات التي واجهتها في استشاراتي الإدارية، تكمن في عدم وجود صف ثانٍ في القيادات العليا أو الإدارات. وذلك لكونها مسألة تحدث فجأة، فتربك الجميع. كأن يستقيل أحدهم، أو يقطف زهرة عطائه أقرب المنافسين. وإن وجدت الكفاءات، تكون غير مستعدة أو متوقعة بأنها ستتولى مهام عليا، ذات مسؤولية كبيرة، مالياً وإدارياً، فيحدث أحياناً تردد ورفض من قبل المرشح. ثم يُسقَط في يد الإدارة، فتضطر إلى اختيار أفضل السيئين.

هنا، تحدث مشكلة أخرى مع المرؤوسين، حينما يرأسهم من لا يفقه شيئاً في عملهم، والأهم، ليس لديه المهارات القيادية اللازمة التي تغطي في الغالب على قصور فهمه لطبيعة العمل. ففي عرف العمل الإداري، تقل الحاجة للأمور الفنية، كلما ارتفع المنصب، وتزيد بانخفاض رتبة الموظف في السلم الوظيفي.

فالموظف حديث التعيين، يتوقع منه أن يبذل جهوداً مضاعفة في اكتساب مهارات فنية دقيقة، بعكس القيادي، الذي يجب أن يحسن إدارة دفة السفينة، عبر التركيز على الصورة الكلية، وممارسة التفويض والتمكين والتوجيه، فضلاً عن تعزيز التناغم بين مرؤوسيه، لتوجيههم نحو الهدف المنشود.

من هنا، جاءت فكرة «خطة التعاقب الوظيفي» succession planning، وهي خطة نعتمدها في مجالس الإدارات، لتضمن تهيئة الصف الثاني. وعن تجربة، رأينا أن بعض الرؤساء التنفيذيين أو المديرين العامين، لا يحبذون أحياناً اعتماد الخطة، لأنهم يريدون مرونة في اختيار من يرونه مناسباً. غير أن ذلك الأمر غير صحي، ولا يعكس روح التخطيط المؤسسي، لأنه بغياب هذا الرئيس نفسه (المفاجئ)، تتفاقم المشكلة مع مدير عام جديد، يتخبط، ويمضي سنوات قبل أن يعرف من يستحق أن يخلف من.

ولذا، تحرص مجالس الإدارات والمؤسسات المهنية الرائدة، على حسم هذه المسألة، لضمان ديمومة الأداء المستقر والانتقال السلس. مثل انتقال الحكم عبر دستور أو نظام حكم متفق عليه.

ومن أبرز قصص معاناة فراغ الصف الثاني، الحادث الأليم الذي تعرض له فريق كرة السلة الاستعراضي، نيوهارلم الشهير، بعد فاجعة سقوط طائرتهم، فأحدث غيابهم المفاجئ، فجوة، حاولت الإدارة تداركها، بتجميع فتات صف ثانٍ. وكذلك الحال مع الممثلين في خشبة المسرح، لا بد أن يخبر بعضهم بأنه سيكون بديل النجم الفلاني إذا تعرض لمكروه، فيبدأ بالتركيز والإصغاء لحوار الممثل الرئيس.

وهذه هي سنة الحياة.

وأذكر هنا، أن أشهر ممثل كوميدي في الخليج، الفنان عبد الحسين عبد الرضا، قد أبهر عميد المسرح العربي، زكي طليمات، بعد أن منحه الأخير فرصة التمثيل، كونه ممثلاً بديلاً لمن تغيب. فقال كلمته المشهورة باللهجة المصرية: «مين الحُمار إلي خلا ده ممثل بديل؟!». وهي شهادة كبيرة للممثل الكويتي، الذي بزغ على يديه نجوم كثر.

ولا تحدث خطة التعاقب الوظيفي، أو الإحلال، بقائمة قصيرة بالبدلاء، بل بخطوات معروفة في عالم التخطيط الإداري، تتمخض عن أفضل بديل يخلف سابقه، وربما يكون هو البديل الناجح، الذي يبهر الجميع.

 

 

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon