القرار الأميركي والموقف العربي

الحرب تقترب من نهايتها في سوريا. ومع النهاية يبدو حجم الكارثة التي وقعت هائلة، سيكون الحفاظ على وحدة الدولة معجزة، لكن الثمن كان فادحاً، وآلام ما بعد الحرب لن تقل عن آلام الحرب نفسها.

على الجانب الآخر يثير الرئيس الأميركي ترامب زوبعة بتناقضاته العجيبة. يعلن عن رغبته في سحب القوات الأميركية من سوريا دون استشارة أحد، لا داخل إدارته ولا داخل التحالف الدولي الذي خاض معه المعركة ضد الدواعش في سوريا والعراق، كلمة الجنرالات هنا لها قيمتها، تراجع ترامب وقبل ببقاء القوات الأميركية والتي لا تزيد عن 2000 جندي لفترة قال إنها لن تطول، وأنها مرتبطة بالمهمة الأساسية لها وهي القضاء على الدواعش، لم يذكر الرئيس الأميركي شيئاً عن الأوضاع بعد ذلك، ولا عن النفوذ الإيراني الذي جاء بوزير الخارجية المرشح بومبيو ومستشار الأمن القومي الجديد جون بولتون من أجل مواجهته!!

وبين لقاء بوتين وروحاني وأردوغان من ناحية، وتناقضات ترامب غير المفهومة من ناحية أخرى. يبدو الغياب العربي عن المشهد مؤلماً، كما قال الوزير أنور قرقاش، لكنه ليس نهاية المطاف، فالقصة لم تنته، والفصول المقبلة هي الأخطر. فهل نستعد لها أم نكرر المأساة؟!

وهنا علينا أن نتوقف ـ بالدرس والتحليل ـ عند عدة نقاط قد تقودنا إلى الطريق الصحيح لمواجهة التحديات التي تواجه عالمنا العربي في هذه المرحلة الحاسمة.

علينا أن ندرك أن المشهد في سوريا لابد أن يذكرنا بأن المؤامرة كانت شاملة، وأن المخطط كان- وما زال- يستهدف العالم العربي كله، ولولا أن عناية الله وقفت مع شعب مصر وهو ينتفض ليسقط حكم الإخوان الفاشي، ونجاحه في ذلك بدعم من أشقائه، وخاصة من الإمارات والسعودية، لكان الموقف قد تغير، ولكانت المؤامرة قد سارت إلى نهايتها، ولكان المشهد الذي رأيناه في سوريا الشقيقة والذي يهدد أقطاراً أخرى مثل ليبيا، قد امتد بطول الوطن العربي وعرضه.

إن الأطماع الخارجية ليست جديدة علينا، الجديد هو النجاح الذي حققته قوى الإرهاب مرتدية أقنعة الدين لتنفيذ أهدافها، هكذا كان الأمر مع ملالي إيران بعد سطوهم وهيمنتهم على الحكم عام 1979 واستخدامهم الكارثي لإمكانات إيران في تصدير النفوذ الفارسي، وفي محاولات شق الصف في كل الدول العربية وجرها إلى الفتنة المذهبية في مجتمعات كانت تعيش في سلام، بعيداً عن التعصب الطائفي والمذهبي.

وهكذا أيضا كان الأمر مع التطرف والكراهية، على الجانب الآخر حيث كان الإخوان يحظون بالرعاية الكاملة من الكفيل الأميركي بعد أن استمتعوا بها على يد الكفيل البريطاني زمناً طويلاً ولا يزالون(!!)

كان المطلوب أن تكون الحروب الدينية هي وسيلة تدمير الأوطان العربية وكان ملالي إيران وحرسها الثوري يؤدون المهمة بتفان شديد، وكان الإخوان ـ على الجبهة الأخرى ـ يواصلون مهمتهم ويتحولون إلى «حاضنة» لجماعات عديدة ترفع رايات مختلفة، ولكنها تشرب من نفس نهر الكراهية، وتعيش على أفكار الإرهاب التي ابتلانا بها هذا الفصيل منذ تسعين عاماً.

يقول الرئيس ترامب وهو يبرر قراره حول الانسحاب من سوريا، إن بلاده أنفقت سبعة تريليونات دولار في الشرق الأوسط، ولم تجن إلا الخراب والدمار(!!) ويقول إنه إذا أراد أحد منا أن نبقى في سوريا، فعليه أن يدفع!!

لا نعلق على الجملة الأخيرة احتراماً لدولة أعظم، كانت المبادئ التي تأسست عليها أملاً لشعوب كثيرة في المنطقة والعالم وهي تسعى للحرية والتقدم. لكننا نقف عند حكاية «التريليونات» التي أنفقتها أميركا بلا عائد خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، كما يقول الرئيس الأميركي.

واشنطن مازالت ـ رغم كل حديثها ضد ما تفعله إيران ـ تريد أن تتركها تمارس نفوذها في سوريا، وتحاول تحقيق هدفها بأن يكون لها طريق طائفي يمتد من طهران إلى ساحل البحر المتوسط(!!) ومازالت ـ في نفس الوقت ـ ترفض إدراج الإخوان في قوائم الإرهاب(!!) ومازالت تتعامل مع العالم العربي كأنه ساحة لإدارة صراعاتها الدولية، وتصفية حساباتها مع الأعداء والمنافسين. مع إرغام العرب على دفع فواتير وقبول الأمر الواقع، حتى ولو كان يتضمن انهيار دولة، أو سقوط أنظمة، أو استكمال تهويد القدس.. برعاية أميركية!!

** ويبقى أن ندرك جميعاً أن الغياب العربي لابد أن ينتهي، وأن الإنقاذ لن يأتي إلا بأيدينا. الميليشيات لا تحمي وطناً. والقوى الخارجية لا تحمي إلا مصالحها، ولعلنا ـ في يوم ما سنقدم الشكر للرئيس ترامب لأنه وضع القضية بكل وضوح أمام أعيننا، ليس ذنبه إن لم نر، وليس لنا عذر إن لم ندرك أننا وحدنا المسؤولون عن مصيرنا، وأن أحداً غيرنا لن يبحث إلا عن مصلحته.

هل نستوعب الدرس.. أم نبقى في انتظار قرار الآخرين بشأن مصيرنا؟. وماذا نفعل إذا كان قرار بعض الدول الكبرى لم يعد يخضع لمنطق أو لحسابات استراتيجية يمكن التعامل الجاد معها، بل أصبح تائهاً في دوامة: حبة فوق.. وحبة تحت!!

 

 

تعليقات

تعليقات