في إسرائيل الخجل ممنوع

الإدمان على القتل، كالإدمان على المخدرات. والاعتياد على الكذب، لا يجعل من الكذاب صادقاً، حتى لو صدق نفسه وصدقه الناس. كما أن الأمر الواقع لا يجعل من الكذبة حقيقة، ولا من الوهم التوراتي دولة.

هذا هو حال «إسرائيل». حماقات متطرفيها تتكرر كل يوم، وفي كل مرة، تريق الدم الفلسطيني، ثم تحاول أن تمسح عن وجهها بقع الدم، وتطليه بكذبة تلو كذبة. كان آخرها ادعاء أن الذين شاركوا في مسيرة العودة «إرهابيون» و«مخربون»، يهددون امن «الدولة». علماً بأن الكل، بمن فيهم المشاركين في المسيرة، يقرون أنها لا تحرر فلسطين، ولا تهزم «الدولة النووية»، بل إنها مسيرة رمزية، تعبر عن تمسك الفلسطينيين بحقهم في أرضهم المحتلة.

لقد كانت صورة الشبان الفلسطينيين من الجيل الرابع لنكبة 1948، وهم يواجهون قوات الاحتلال جنوبي غزة، تنطوي على رسائل عدة، أهمها إصرار الشعب الفلسطيني على استعادة الأرض، مهما يكن الثمن، الذي اعتاد الفلسطينيون تقديمه، دماً ودمعاً، وجرحاً لم يزل مفتوحاً منذ سبعين سنة.

وقد كشف الخوف الإسرائيلي المسلح، عن الذعر من انكشاف كذبة «أرض بلا شعب»، التي قامت عليها إسرائيل. فهؤلاء الشبان، لم يكونوا مسلحين إلا بالإيمان بحق شعبهم، ولم يطلقوا رصاصة واحدة على الجنود المدججين بالسلاح، وبالحقد وبالكراهية.

المُحلّل السياسيّ في صحيفة (هآرتس)، حيمي شاليف، يؤكد على أنّ «أحداث» الجمعة الماضي، صحيح أنها ستُنسى بسرعة، إذا بقيت حالة منعزلة، لكن عودتها في الأسابيع الستة المتبقية حتى إحياء يوم النكبة، ستفرض على المجتمع الدوليّ، إعادة الاهتمام بالنزاع، حتى لو لم يكن معنياً بذلك في هذه الفترة، مُوضحاً في الوقت عينه، أنّ الانتقاد والضغط على الحكومة الإسرائيليّة، بقيادة بنيامين نتنياهو، التي اختفت مؤخراً ستتجدد بكامل القوّة.

وقال إنّه للمرّة الأولى منذ فترة طويلة، عاد النزاع الإسرائيليّ- الفلسطينيّ، ليحتل مكاناً مركزياً في تقارير وسائل الإعلام الدولية، وأن مَنْ يشكلون الرأي العام في الغرب، فضلوا الفيديو القصير للشاب الفلسطينيّ الذي أطلقت النار على ظهره، والتي أعادت إلى الأذهان، الصورة التي جسدت مدى بشاعة وفظاعة الحرب الأميركية على فيتنام.

غداة دعوة مدير منظمة «بتسيلم»، المناهضة للعنصرية الصهيونية، للتحقيق في قتل إسرائيل للمدنيين في غزة، أثار صحافي بارز، ضجة واسعة، بقوله «كإسرائيلي، أشعر بالخجل»، وما لبث أن تم إيقافه عن العمل، وتعرض لحملة تشويه وشيطنة محمومة.

تقول تقارير إسرائيلية، إن إذاعة الجيش، شهدت حادثة مشابهة في العام الماضي، بعدما قالت صحافية فيها، تدعى حين الميليح، معقبة على دهس الشرطي الإسرائيلي في النقب خلال هدم بيت فلسطيني في قرية أم الحيران في يناير 2017 «أنا أيضاً كنت سأقوم بدهس شرطي إذا قاموا بإخلاء بيتي بالقوة، لكي يبنوا بلداً للناس الأقوياء أكثر مني، فلا تتحدثوا معي عن التربية».

كما تعرضت زميلتها رافيت هيخت، لحملة مشابهة في أبريل/‏ نيسان 2017، يوم قارنت في برنامج بثته إذاعة الجيش، بين المقاومين الفلسطينيين وبين عناصر المنظمات الصهيونية في فترة الانتداب. وعبر بعض زملاء ميدان، عن تضامنهم معه، احتراماً لحرية التعبير. وقالت المعلقة اريانا ملميد في مقال ساخر، نشرته صحيفة «هآرتس»، إنه في الإذاعة التي كانت تحظر فيها المقارنات بين ممارسات إسرائيل وبين جهات أخرى في العالم، يحظر اليوم التعبير عن الخجل.

وتابعت باستهزاء «في الواقع، ما زال الخجل مسموحاً في إسرائيل، لكن في القلب فقط، أما علانية، فهو محظور على السياسيين والإعلاميين والمواطنين. لقد كان على الصحافيين توجيه الأسئلة، هل حقاً كان يفترض أن تطلق النيران على كل واحد من المتظاهرين الفلسطينيين في غزة». وخلصت للقول «علينا الافتخار بالوطن بكل ثمن.

وفي كل وقت، دون نقد على أفعال نظام الحكم الحالي وعلى إخفاقاته. علينا التباهي بالكثير مما لدينا من مساعدة جرحى الحرب الأهلية السورية، حتى إنجازات السفاح باروخ غولديشتاين، منفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل، وبفعلة الجندي ليؤور أزاريا، الذي أعدم الشاب عبد الفتاح الشريف. عندما يسمح بالمفاخرة، ويحظر الخجل، يعني أنه ممنوع التفكير، خاصة إذا كان نقدياً.

وهذه رسالة لكل مذيع ومذيعة، لئلا يتعرضوا للفصل من عملهم، ويبدو أن هذا ما سيفعلونه». يشار إلى أن إسرائيل حظرت التعبير عن الحزن، من خلال قانون النكبة، الذي سنته قبل عشر سنوات، ومنعت فيه إحياء ذكرى النكبة، وقبل ذلك، حظرت الحب بين الفلسطينيين، بمنعها زواج فلسطينيين من طرفي الخط الأخضر، من خلال قانون منع لم الشمل المعروف بقانون المواطنة، الذي جاء لمنع «ممارسة حق العودة من النافذة».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات