وجهات النظر والحقائق

معظم وجهات نظر الناس هي خليط بين الرأي والحقيقة، وعدم إدراك الفارق بينهما يدخلنا في معمعة الخلافات. فحينما أقول مثلاً: «ثمرة الجوافة لذيذة» فذلك رأي بحت وبطبيعته قابل للاختلاف، وأحياناً «الخلاف» الحاد في موضوعات شائكة. وعكس ذلك حينما أقول إن «الجوافة من ثمار الفاكهة». هذه الجملة هي حقيقة محضة لا ينكرها إلا مكابر.

وإدراك الفارق بين الحقيقة ووجهة النظر، يجعلنا نكشف من يتعمد إثارة الجدل حول حقائق مجردة. خصوصاً أن الحقيقة أمر موضوعي بطبيعته ويمكن التأكد منه بالعودة مثلاً إلى قاموس أو شهود عيان وغيره، لكن الرأي «حمّال أوجه» يمكن أن يكون أحياناً غير موضوعي ويصعب التأكد منه، لأن لكل شخص رأياً.

هذه المسألة صارت في غاية الأهمية خصوصاً بعد انتشار ما سمّاه المفكر السعودي د. عبدالله الغذامي «جمهورية النمل»، في إشارة إلى الانتشار المذهل للإعلام الجديد فصار بيد كل فرد، ولم يعد يحتاج من يعبر عن وجهة نظره.

وذلك على هامش ندوته في منتدى الإعلام العربي التي أقيمت أمس في دبي. هذه الجزئية خلطت الأوراق فصار البعض يظن أن من يتابعه حريص على ما يبثه من «معلومات» باعتبارها حقائق أو أخبار مجردة، ولا ينتبه إلى أن هذا المؤثر صار يخلط بين وجهات نظره والحقائق.

ويمكن بسهولة اكتشاف عبارات التعبير عن الرأي من الكلمات المستخدمة في ثناياها، وهي منحازة بطبيعتها، مثل، أحب، أكره، أفضل، أختار، جميل، قبيح، ممتع، ممل، غبي، عظيم، عجيب وما شابه. بينما قد تحتوي عبارات الحقائق على كلمات، مثل «ذكرت» الإحصاءات كذا أو أكد لي فلان الفلاني.

هناك بعض الكلمات التي من شأنها أن تحسّن الرأي أو تجرده من مثالب المبالغات مثل: يبدو، أعتقد، أحياناً، أتوقع ربما وغيرها. هذه الكلمات مهمة، في الإعلام ونقاشاتنا اليومية حتى لا تقدم بعض الآراء على أنها حقيقة حاسمة لا تقبل النقاش.

والملاحظ أن بعض الجمل هي خليط بين الرأي والحقيقة، كأن يقول شخص ما مثلاً: «رغم حصول الفريق الفلاني على كأس التفوق، فإن أداءه كان دون المستوى، في رأيي»، أو نقول مثلاً: «صحيح أن فلاناً كان من أوائل الطلبة، لكن مستواه في العمل ضعيف جداً». نلاحظ هنا أن الشقّ الأول يستند إلى حقيقة لا مراء فيها (نيل الكأس)، بينما يظهر رأي قائل العبارة في الشطر الثاني.

ولا بأس أن يُبنى الرأي على حقائق، لتجعل حججنا قاطعة. ذلك أن بعض المتحاورين أذكياء وموضوعيين، لأنهم يستندون في آرائهم إلى حقائق مجردة، فترجح كفة رأيهم على حساب آخرين لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن طرح موضوعي.

 

 

تعليقات

تعليقات