زيادة نسبة الطلاق.. أسباب وعلاج

الأسرة نواة المجتمع، وركيزته الأولى، وأساسه المتين، ومتى وُجد خلل في الأسرة، انعكس ذلك على المجتمع، فتضرر وتصدع، ومن المشكلات اللافتة التي تحتاج إلى علاج ونظر، كثرة حالات الطلاق، ما يشكل تهديداً للبناء الأسري في المجتمع، فقد كشف تقرير المجلس الوطني، عن ارتفاع معدلات الطلاق في الدولة خلال عام 2016، لتصل إلى 32.5 %، وهو ما يقتضي النظر بعين فاحصة في هذه المشكلة، والبحث عن أسبابها، ووضع الحلول المناسبة لها.

لا شك أن أسباب الطلاق متعددة، وقد يكون السبب من الزوج أو الزوجة، أو منهما، ومن هذه الأسباب، سوء العشرة، بأن يعامل أحد الزوجين الآخر معاملة مسيئة، سواء إساءة لفظية أو فعلية، أو بإهمال وعدم مراعاة الآخر، والاستمرار في هذا النوع من المعاملة، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى فقدان الصبر، واللجوء للطلاق، والعلاج في إصلاح النفس وتقويم السلوك، وتصحيح معاملة كل من الزوجين للآخر.

الفتور العاطفي وفقدان المشاعر بين الزوجين، سبب آخر من أسباب الطلاق، وهذا الفتور، يسميه البعض بالطلاق العاطفي، حيث يرتبط الزوجان ارتباطاً لا روح فيه، ما قد يؤدي مع الأيام إلى طلاق حقيقي، ولعلاج هذا الأمر، لا بد من تكريس مبدأ الرحمة والمودة والعطف بين الزوجين، وضخ المشاعر الفياضة في الحياة الأسرية، قال الله تعالى: {وجعل بينكم مودة ورحمة}.

من أسباب الطلاق كذلك، تغليب أحد الزوجين مصلحته الفردية، وعدم التشاور والتعاون وتقدير مصلحة الطرف الآخر، فتسود في الأسرة روح الفردية، والتصرفات الأحادية، ويسعى كل من الزوجين ليتحكم في الأسرة دون الآخر، ويفرض آراءه، ويتعصب لها، ويرفض الرأي الآخر، عناداً وانتصاراً لنفسه، والله تعالى قال: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}، ومتى بُنيت الحياة الزوجية على اتباع أحسن الآراء، سواء كانت صادرة من الزوج أو الزوجة، كانت الأقرب إلى السعادة والاستقرار.

الغضب وسرعة الانفعال كذلك، من أعظم أسباب هدم الحياة الزوجية، لأنه يسد باب الحوار والتفاهم بين الزوجين، ويستولد ردود أفعال سلبية من الطرف الآخر، وقد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، وخاصة إذا أدمن أحد الزوجين على الغضب، وأصبح جزءاً من طبيعته في التعامل مع المواقف اليومية.

ولذلك، جاءت الأوامر الشرعية في التحذير من الغضب، وبيان عواقبه، والحث على التخلص منه، ومتى وجد أحد الزوجين نفسه مبتلى بهذا الداء، فعليه أن يعالج نفسه فوراً، ويمرن نفسه على الصبر والتحمل والهدوء وطول البال، وذلك يأتي بالدربة والتمرن، حتى يصبح عادة وسجية.

ومن أسباب الطلاق أيضاً، إفشاء المشكلات الزوجية وعدم احتوائها، وإدخال أطراف خارجية فيها، فالتدخل الخارجي غير الحكيم في المشكلات الزوجية، قد يزيدها ولا يحلها، سواء من قبل أسرة الزوج أو الزوجة أو الأقارب أو الأصدقاء.

وخاصة إذا كان هذا التدخل تدخلاً منحازاً لأحد الطرفين على حساب الآخر، دون تحري العدل والإنصاف، ودون نية صادقة لإيجاد الحلول وترسيخ الأرضية المشتركة لاحتواء الخلاف، فيزيد هذا التدخل، المشكلة تعقيداً، ويكون لها كالوقود للنار، بخلاف التدخل الحكيم العاقل، الذي يوسع أرضية التفاهم، ويسعى لتقريب وجهات النظر، وإيجاد الحلول المناسبة للمشكلة، قال الله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما}.

المشكلات المادية هي إحدى أسباب الطلاق في المجتمعات، ولا شك أن العنصر المادي جزء أساسي في الحياة الزوجية، وهو يقتضي التعامل السديد في هذا الجانب، ومراعاة الموازنة بين الدخل والإنفاق والادخار، لإدارة رشيدة للإنفاق الأسري، وعدم الإفراط في الكماليات، لأن الإنفاق دون تنظيم ولا تخطيط، له تبعات كبيرة.

كما نشير في هذا الجانب إلى أهمية التكيف مع الظروف المعيشية، وخاصة في أوقات الضيق والشدة، فقد تعصف بالأسرة بعض الأحيان، عواصف مادية لظرف من الظروف، فلا بد أن يكون لدى الأسرة فقه إدارة هذه الأزمات، وتقدير كل من الزوجين لظروف الآخر، لتستطيع سفينة الأسرة تجاوز العاصفة بأمان، كما يأتي هنا، تربية الأبناء على الإنفاق الرشيد، وترسيخ مبدأ القناعة، ليكونوا عوناً لوالديهم في استكمال مسيرتهم، وليكونوا كذلك في مستقبلهم.

ضعف الوازع الديني كذلك، سبب خطير لهدم الأسرة، وهنا، تأتي مراقبة الله تعالى، وصيانة النفس من الوقوع في المتعة المحرمة، ومجاهدة النفس والهوى، والعلاج السريع، إذا وقع شيء من ذلك، والتوبة العاجلة، وضبط ردود الفعل، إذا تم اكتشاف شيء من ذلك من قبل أحد الزوجين، والبحث عن أسباب الخلل لعلاجها.

فقد تكون هناك مشكلة في العلاقة الزوجية، ولا شك أن هذا الباب من أخطر الأبواب، لأنه قد يُحدث شرخاً لا يمكن علاجه، ومن أسباب الانزلاق في المتعة المحرمة، ضعف الإحساس بالمسؤولية، وتغليب هوى النفس والمتع الفردية على مصالح الأسرة والواجبات الزوجية.

ومما يحد من مشكلة الطلاق، نشر الوعي المجتمعي بعواقب الطلاق وأضراره، وما ينتج عنه من تشتيت للأسرة، وانعكاسات سلبية على الأبناء، فقد كشفت دراسة خاصة بصندوق الزواج، ما يصيب الأبناء جراء الطلاق من الحزن والعزلة والعدوانية، وتدني المستوى الدراسي، واضطرابات النوم والاكتئاب، وهنا، يأتي دور المثقفين والمصلحين الأسريين والإعلاميين، بالتركيز على هذه القضايا، ونشر الوعي، لتعزيز الاستقرار الأسري في المجتمع.

كما ننصح المقبلين على الزواج، بحسن اختيار الشريك، ثقافياً ومادياً واجتماعياً، وأن يعلموا أن الحياة الزوجية حقوق وواجبات، وأن يتحملوا مسؤوليتهم على أكمل وجه، ليبنوا حياة أسرية سعيدة.

 

 

تعليقات

تعليقات