الديموغرافيا وبدائل التسوية الفلسطينية

كلما فتر الحماس للتسوية الفلسطينية وفقاً لحل الدولتين، تصاعدت فرص الحديث عن خيار الدولة الواحدة بين النهر والبحر. ومع استبعاد فرضية نجاح إسرائيل في استئصال الفلسطينيين أو اقتلاعهم كلياً وتهجيرهم، ترقى أكثر فأكثر، أهمية عامل التوازن السكاني بينهم وبين اليهود، علي مصير هذه الدولة من حيث الشكل والمضمون..

كل المؤشرات، تؤكد أن نخب الحكم والسياسة المتنفذة راهناً في إسرائيل، المنتمية في غالبيتها لما يدعي باليمين الديني والعلماني المتطرف، تتجه إلى تعويم نظام الأبارتيد. هذا ما يفهم من تصدير مفهوم الدولة اليهودية، والضغوط المسلطة على الفلسطينيين للاعتراف به. والمدهش أن إسرائيل بدفعها لهذا المطلب، إنما تسوق الجانب الفلسطيني سوقاً ليضع نفسه، طوعاً أو كرهاً، في المربع الذي تريده. مربع الدونية المقوننة في مقابل اليهود.

تعلق الإسرائيليين بدولة الأبارتيد، يعني تلقائياً أنهم يستبعدون خيار الدولة الواحدة «ثنائية القومية»، التي تعترف بالهوية الفلسطينية، وتسمح لها بنوع من التمكين، لا سيما لجهة تقاسم الموارد وممارسة الأدوار السياسية مع الجانب اليهودي. وينطبق هذا الاستبعاد بصورة أقوى على خيار «دولة كل مواطنيها»، التي تقوم على المساواة كاملة المواصفات بين الفلسطينيين واليهود، وتتوارى في طياتها الفكرة الصهيونية إلى مستوى الأفول.

والحال كذلك، لا يمكن تطبيق خيار الدولة الواحدة، بأي شكل ديمقراطي سليم، أو حتى مقبول نسبياً في فلسطين التاريخية، طالما بقي التصور الصهيوني حاكماً ومسيطراً لدى المكون السكاني اليهودي. ويبدو أن دراية الفلسطينيين بهذه الحقيقة، هي التي تحثهم، أو تحث قطاعات متنفذة منهم، علي التمسك بخيار الدولتين، كأفضل سبيل إلى إقرار السلم الاجتماعي والسياسي في السياق التاريخي الراهن. وتتضح عقلانية هذا التقدير، عند تأمل مدى حرص بعض صناع القرار الفلسطيني، على عدم الانسياق الكلي وراء مقولة إن تفوق الفلسطينيين السكاني على اليهود بين النهر والبحر، سينتهي بدحر الجوهر الصهيوني لإسرائيل الحالية.

نود القول بأن هذا التفوق الوشيك، سيشكل مصدر إزعاج للجانب اليهودي، لكنه ليس هو المحدد الأساسي أو الوحيد، لإحداث تغيير انقلابي في طبيعة الكيان الصهيوني. وأنه حتى لو أمسى عدد الفلسطينيين أضعاف عدد اليهود، فقد لا يعني ذلك تنازل الأخيرين عن إحساسهم بفوقيتهم وفرض هيمنتهم.. وبالطبع، فإن نظام الأبارتيد، هو خيارهم العتيد للتعامل مع هذا المشهد.

من الطرائف المرتبطة بالمعادلة السكانية هنا، زيادة وزن قوى التطرف الديني المعروفة بالحريديم داخل إسرائيل. ذلك ليس لأنهم يمثلون جدلاً النواة الصلبة لصيانة التقاليد اليهودية فقط، وإنما لتكوينهم للأسر الكثيرة العدد، القادرة على منافسة الفلسطينيين في معدل المواليد على مدار مئة عام وزيادة، أدرك الصهاينة حجم التفوق الفلسطيني لجهة الزيادة السكانية الطبيعية.

ولكنهم لم يروا فيه عائقاً حاسماً أمام مراداتهم. لقد اعتقدوا أن هذا المعطى سوف يضعف تأثيره، بفعل بضعة متغيرات، كتوافد المهاجرين اليهود من الخارج، وتحسن مستوى معيشة الفلسطينيين، أو حتى تعريضهم للتصفية العضوية والطرد.

في لقاء أجراه مع المندوب السامي البريطاني في فلسطين (3/11/1942 )، طلب الزعيم الصهيوني دافيد بن غوريون، السماح بالهجرة اليهودية المفتوحة إلى فلسطين. فأوضح له المسؤول البريطاني، أنه حتى لو استقبلت فلسطين مليونين أو ثلاثة ملايين من اليهود «فإن النمو السكاني للعرب سيقود للحاق بهم ديموغرافيا».

وكان رد بن غوريون بأن تحسن معيشة العرب سيؤدي إلى خفض معدل مواليدهم. ومضى إلى أنه لا وجود هناك إلا لإمكانيتين: أن تصبح فلسطين دولة عربية، فيضطر عدد كبير من اليهود للرحيل، أو أن تصبح فلسطين دولة يهودية.

ولا تعايش مع العرب إلا إذا شكّل اليهود أقلية صغيرة جداً، أو شكلوا أغلبية كبيرة جداً. وهنا، ذكر البريطاني أن ذلك يعني إغراق المنطقة في مواجهة دامية لفترة طويلة. فيرد بن غوريون بأن الدولة الفلسطينية لن تكون سوى خرافة، ولن يعترف بها اليهود أبداً.

منذ تلك المحاورة إلى يومنا هذا، لم يخرج العقل الصهيوني عما تصوره بن غوريون. لكن الملاحظ، أن الرائد الصهيوني أخفى عن محاوره إمكانية التغلب على التفوق العددي للفلسطينيين، بإبادتهم أو بتهجيرهم قسراً، وهو ما تم تنفيذه نسبياً بالقوة العارية، وبشكل مروع في أوقات لاحقة. ترى، هل يضمر بعض صهاينة اليوم والغد القريب، معالجة القضية بالأسلوب ذاته؟.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات