رحلت حارسة الجليل

حين تسمعها تشم رائحة برتقالية. وحين تراها ينتفض أمامك شموخ الجليل، أعلى جبال فلسطين الخضراء، مقاومة حتى آخر وتر من صوتها، أناشيدها سطور مضيئة لتاريخ فلسطين. هي من قالت للذئب وهي بين مخالبه، هذه الأرض لنا، نحن الباقون وأنتم الراحلون. كم أوقفوها في المطار ليقولوا لها أنت إسرائيلية وجواز سفرك إسرائيلي وترد: أنا فلسطينية وهذه بلادنا.

ها هي «ريم بنا» ترحل عن الدنيا ومعها حلمها بزوال الاحتلال. صبية في عمر الورد، كان السرطان أشرس من الاحتلال الذي قاومته بقوة زيتونة من زيتونات فلسطين.

التقيتها في عمّان قبل خمس سنوات. كنت استمع للهجتها الفلسطينية التي لم تشوهها غربة المنافي، وحين كانت تقول «أِسَّ بنروح..» بدل الآن نذهب أو «عزااا» بل وأسفاه، كنت أشعر أن فلسطين هي التي تتكلم، فلسطين التي سموها زوراً وظلماً «إسرائيل».

ريم بنا فنانة فلسطينية ملتزمة بالوطن. ولدت في مدينة الناصرة عام 1966، تخرجت في المعهد العالي للموسيقى في موسكو، واحترفت بعده الغناء أو قل الإنشاد. اشتهرت ريم بأغانيها الوطنية التي حاولت فيها تقديم التراث الفلسطيني إلى العالم، كما عرفت بمساهمتها الكبيرة في الحفاظ على عدد كبير من الأغاني التراثية الفلسطينية، ولاسيما أغاني الأطفال. تميزت أغاني ريم بنا بطابع خاص، إذ عملت على تقديم الأغاني الفلسطينية التراثية بموسيقى عصرية، فحظيت باهتمام الجمهور منذ بداياتها.

كانت ريم حريصة على التعبير عن أفكار الشعب الفلسطيني وتطلعاته وهواجسه، ونقلها إلى جميع أرجاء العالم. غنت القصائد الوطنية لأهم الشعراء الفلسطينيين والعرب. لسميح القاسم غنت قصيدة «اْحكي للعالم.. احكي له عن بيت كسروا قنديله، عن فاْس قتلت زنبقة وحريق اْودى بجذيله، اْحكي عن شاة لم تحلب، عن قهوة صبح لم تشرب، عن عجنة اْم ما خبزت، عن سطح طيني اْعشب، اْحكي للعالم اْحكي له.. يا بنت الجار المنسية، الدمية عندي محمية، الدمية عندي فتعالي، في باص الريح الشرقية.. حنا لا اْذكر قسماتك، لكني اشقى كي اذكر، في قلبي خفقة خطواتك، عصفور يدرج أو ينقر.. كنا ما اْجمل ما كنا يا بنت الجار يا حنا، كنا فلماذا اعيننا صارت بالغربة مجبولة، ولماذا صارت ايدينا بجبال اللعنة مجدولة احكي للعالم...اْحكي له».

ولأنها تنبع من بحر يافا و حيفا وعكا فإن ريم بنا كانت شاعرة بالفطرة. في ذكرى وفاته زارت ضريحه في رام الله و كتبت على صفحتها في الفيسبوك لمحمود درويش:

لم أكن في جنازتك.. ولا في وداعك.. ولا في تأبينك..

لم أستطع أن أكون بين الملايين المنتكبة على موتك..

بقيت وحدي.. عرفت حزني بفقدانك دون أن يستعجلني أحد.. كانت قصائدك في روحي.. كشجر الليمون الذي لا يموت في أرض كنعان..«.

حرص»ريم«على التراث الفلسطيني لم يتوقف عند الغناء والشعر، فبين وقتٍ وآخر تكتشف طريقة جديدة لتعريف العالم بفلسطين التراث والثقافة كان آخرها مشروعها»خيطان وألوان«الذى يهدف إلى إحياء فن التطريز الفلسطيني، الذي تمارسه كنوع من»التأمل«كما قالت لمتابعيها على»إنستجرام«و»فيسبوك«.

وبطريقتها الفريدة في مزج التراثي بالعصري صنعت(ريم) عشرات الإكسسوارات من قلادات وأقراط وأساور ولوحات بالتطريز الفلسطيني، تحمل كلمات عربية وتصاميم فريدة من نوعها نالت إعجاب المتابعين من جميع أنحاء العالم، وهو ما دفعها إلى الاستمرار، وإقامة ورش لتعليم فن التطريز الفلسطيني في بيتها بالناصرة بفلسطين.

رحلت ريم بنا فيما شعبها الفلسطيني يستعد لمسيرة العودة وقبل أيام من يوم الأرض، ربما كانت بروحها المقاومة العنيدة تستعد هي الاخرى للمشاركة بطريقتها لكن القدر لم يمهلها. تطول طريق التغريبة الفلسطينية لكن في نهايتها شعب يستحق الحياة.

* كاتب أردني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات