ماذا يحصل في واشنطن؟

تفاجأ العالم بإقالة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، كما تفاجأ العالم بتعيينه في منصبه منذ سنة ونيف. فالرجل ليست له خبرة سياسية أو دبلوماسية، رغم أنه ترأس أكبر شركات النفط العالمية، اكسون-موبيل. وعلى ما يبدو، فإن علاقة الرئيس دونالد ترامب بتيلرسون، لم تكن جيدة، وشابها كثير من التوتر.

لا شك أن عالم النفط يتقاطع مع عالم السياسة والدبلوماسية، وأن لتيلرسون صولات وجولات مع قيادات سياسية، مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ولعل أحد أسباب اختياره من قبل الرئيس ترامب، هي هذه العلاقات، التي يرى فيها الأخير مؤهلات لشغل هذا المنصب الرفيع.

ومع مرور الأيام، تبينت الفوارق بين الرئيس ووزير خارجيته لأسباب عدة. أولها، أن الرئيس ليس رئيساً تقليدياً، ملتزم بأجندة واضحة للسياسة الخارجية، ويفاجئ العالم بتصريحات أو تغريدات تحرج مؤسسة السياسة الخارجية.

كما أن الرئيس يسعى إلى إدارة السياسة الخارجية من البيت الأبيض، ما أدى إلى تهميش الخارجية الأميركية. والرئيس يرى أن الدبلوماسية أداة لا تؤدي إلى نتائج سريعة، وهو رجل لا يتصف بالصبر الذي يطلبه العمل الدبلوماسي. وكما هو معروف، فقد انتقص الرئيس كثيراً من ميزانية وزارة الخارجية.

إضافة إلى كل ذلك، فإن الرجلين يختلفان في سياسات بعينها. فعلى سبيل المثال، حين بذل وزير الخارجية مساعي دبلوماسية مع كوريا الشمالية، كانت ردة فعل الرئيس سريعة، عبر تغريدة قال فيها، إن الوزير يضيع وقته مع كوريا، لأنه ليس هناك من جدوى للتفاوض مع حكومة بيونغ يانغ. ولا شك أن أي رئيس لن يفعل هكذا ليقوض جهود وزير خارجيته بشكل علني.

كما أن الاثنين اختلفا حول الاتفاقية النووية مع إيران. ويقول ترامب إنه يريد أن يمزق الاتفاقية ويلغيها. ولكن وزير الخارجية يرى غير ذلك، وخاصة أن الحلفاء الأوروبيين لا يزالون يؤيدون الاتفاقية. وقد يؤدي إلغاء هذه الاتفاقية، إلى شرخ بين الولايات المتحدة وحلفائها على الشاطئ الآخر من الأطلسي.

وليس هناك حالة أبلغ من محاولة الرئيس، الالتفاف على الخارجية ووزيرها، مثل تعيين صهره، جارد كوشنر، لقيادة الدبلوماسية حول المسيرة السلمية بين إسرائيل وفلسطين. وعلى ما يبدو، فإن وزير الخارجية ووزارته، بعيدان عن هذه الجهود الدبلوماسية. ولعل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أخذ تيلرسون على حين غرة. حتى إن وزير الخارجية أغفل في تقريره السنوي حول السياسة الخارجية، مسألة الاعتراف بالقدس، في مؤشر على امتعاضه.

وعلى المستوى الشخصي، يبدو أن الاثنين يمقتان بعضهما. فالرئيس لا يرتاح للغة جسد الوزير، الذي يبدي اشمئزازه من كلام الرئيس في الاجتماعات الرسمية. كما أن الوزير أطلق نعوتاً غير دبلوماسية على الرئيس. ففي اجتماع لكبار المسؤولين في الإدارة، والذي كان يناقش طلب ترامب بزيادة الترسانة النووية الأميركية، استخف تيلرسون بالطلب هذا، وقال عن ترامب بأنه أخرق. وقد شن المحافظون الجدد حملة شعواء ضد الوزير. وكتب إليوت كوهين في ديسمبر الماضي، إن تيلرسون أسوأ وزير خارجية في تاريخ الولايات المتحدة، حيث يفتقد المعرفة الدبلوماسية، وليس له مهارات اجتماعية، ومنطوٍ على نفسه، ولم يستطع اجتذاب كفاءات لشغل المناصب الشاغرة في الوزارة لتسيير الأمور فيها.

ورحب جميع أساطنة المحافظين الجدد، بطرد تيلرسون من منصبه، كما رحبوا بالبديل، المتمثل في مايك ببيمو مدير وكالة المخابرات المركزية الحالي. ويرى المراقبون، أن هناك كيمياء خاصة بين مدير السي آي إيه وترامب، وأن الرجلين متوافقان على قضايا السياسة الخارجية، مثل إيران والإرهاب. أضف إلى ذلك، فإن ببيمو معروف عنه أنه عندما كان عضو الكونغرس، يعتبر من الصقور، ومن أوائل الساسة الذين أيدوا حملة ترامب الانتخابية.

وهناك شائعات تدور حول مصير مستشار الأمن القومي، إتش آر مكماستر، بأنه في طريقه إلى الخروج من الإدارة، وأن مسألة إقالة المستشار مسألة وقت ليس إلا. وتشير المصادر الصحافية إلى أن الرئيس ومستشاره، لا يتشاركان في خصائص شخصية كثيرة، وهناك انعدام في الانسجام. إلا أن الرئيس لا يرى مكماستر مثل تيلرسون، والذي يتهمه بتقويض سياسته، بل يرى أن مكماستر يسعى جاهداً لتنفيذ أجندة ترامب.

ويعتقد الكثير أن جون بولتن، وهو من صقور المحافظين الجدد، سيحل محل مكماستر، إذا ما أقيل الأخير. والمعروف عن بولتن، تشدده في السياسة الخارجية، وعدم إيمانه بالمؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة، والذي خدم فيها كسفير للرئيس السابق جورج بوش الابن. وقد شغل في الخارجية منصب مساعد الوزير لشؤون مكافحة أسلحة الدمار الشاملة. وقد يتناسب تشدد بولتون مع ترامب في قضايا عدة، منها إيران وقضية أسلحة الدمار الشامل، والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

ويقول أحد المقربين إلى الإدارة، إن عدد التسريحات لكبار رجال الإدارة، يشي عن سوء اختيارات ترامب لطاقمه، أكثر من سوء أداء هؤلاء الوزراء وكبار الموظفين. وسنرى متى سيقف هذا النزيف في الإدارة، وتبدأ الحكومة في تنفيذ برامجها السياسية. وكما قال الشاعر: ستُبْدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلاً * ويأتيكَ بالأخبارِ من لم تزوِّدِ.

* كاتب وأكاديمي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات