نعمة التواصل ونقمته

في أعقاب الجريمة البشعة، التي وقعت قبل أيام في قلب القاهرة، وتم فيها نصب فخ محكم الأركان، لاستدراج طالب في كلية الهندسة، من خلال موقع تسوق إلكتروني، انتهى بسرقته ثم قتله.

، وسرقة طالب آخر بالطريقة نفسها، ونجاته بأعجوبة من موت محقق، انفتح المجال على مصراعيه، لمناقشة الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في حياتنا، وهل هو دور إيجابي أم سلبي؟ وهل يعد نعمة أم نقمة؟ وهل حقق التواصل؟ أم غدا وسيلة للتباعد والعزلة والفرقة؟ وهل جلب السعادة للبشر أم زادهم تعاسة وارتباكاً واكتئاباً؟!

شغلت تلك الأسئلة المشروعة وأكثر منها، اهتمامات الرأي العام في المجتمع، وعبر وسائل الإعلام المختلفة، بعد الصدمة التي شكلتها له وحشية الجريمتين، وافتقادهما للخلق والضمير، فضلاً عن غياب الحيطة والحذر عن سلوك الطالبين، بعد أن تغاضيا عن قواعد السلامة التي تمليها مثل تلك المواقع التسويقية على مستخدميها، لتحاشي عمليات النصب والاحتيال.

وكما هي العادة دائماً، فتحت الحادثتان شهية السلطات التنفيذية للبحث عن قوانين وتشريعات جديدة تقيد حرية استخدام تلك الوسائل بذرائع زاهية بطبيعة الحال، تبدأ من حماية الأخلاق والسلم الاجتماعي والحد من انتشار الجرائم الإلكترونية التي باتت شائعة الآن في معظم دول العالم، ولا تنتهي بالدفاع عن الأمن القومي والمصالح العليا للوطن والأمة!

وفي ضوء الأسئلة السابقة، فإن ثورة الاتصالات التي تسارعت بوتيرة غير مسبوقة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار دول المعسكر الاشتراكي، ومع بداية الألفية الثالثة، قد لعبت دوراً لا يمكن إنكاره في تقريب المسافات، وكسر الحدود بين الشعوب والبلاد والثقافات، ويسرت على شبكة الإنترنت الاطلاع دون قيود علي المعارف والفنون والآداب والعلوم والمعلومات بمختلف اللغات.

إضافة إلي الدور المهم لها في القيام بالمعاملات الحياتية والوظيفية والإدارية التي يحتاج إليها المواطنون، وهو ما شكل نقلة نوعية في محاربة الفساد المالي والإداري في حكومات الدول، بالاستغناء عن العنصر البشري في إتمام المعاملات والبرامج الحكومية.

وأسهم تدفق المعلومات بحرية تكاد أن تكون مطلقة، في توسيع نطاق الحريات الديمقراطية وحريات الصحافة والإعلام والتعبير عن الرأي، في مختلف دول العالم، بعد أن بات من الصعب على حكومات تلك الدول- إلا فيما ندر- حجب المعلومات عن شعوبها، أو حتى حكمها بعيداً عن أعين الآخرين ورقابتهم.

وأصبح من المعروف أن ما سمي بالثورات البرتقالية في بعض دول شرق أوروبا، وثورات الربيع العربي المزعومة، كانت شبكة الإنترنت هي المخطط والمحرك الرئيسي لأحداثها. كما أتاحت شبكة الإنترنت ما لا حدود له من وسائل الترفيه والتسلية لمتذوقي مختلف الفنون الرفيعة والراقية،

لكن العلة في شبكة الإنترنت أنها شأنها شأن كل المخترعات العلمية والحداثية التي قدمت خدمات جليلة للجنس البشري، تمتلك من الجوانب ما هو مفيد وطيب، وما هو ضار وشرير، وفي هذا السياق وفرت تلك الشبكات منصات للحوار والتعبير عن الرأي مثل تويتر والفيسبوك، باتت في كثير من الأحيان ساحات لترويج الشائعات، ونشر الأخبار الزائفة.

، وقيادة حملات منظمة لتلويث سمعة آخرين والانتقام منهم، لا سيما في أثناء المعارك الانتخابية، والتعبير عن آراء سخيفة بطرق ممجوجة وفجة، تستخدم من قاموس اللغة، ما تحرمه مواثيق الشرف المهنية، وتحظره المدونات الأخلاقية للإعلام والصحافة.

ولأن التشريعات ما زالت قاصرة عن ضبط الأداء المهني داخل تلك المنصات، وعاجزة عن إحكام حيثيات الإدانة للجرائم المرتكبة من قبلها، فقد أغرى هذا المناخ بارتفاع الأصوات المطالبة تارة بتقييدها، وتارة أخرى بإلغائها، وتارة ثالثة بتعريبها لكي تتفق مع القيم والأخلاق والتقاليد العربية، بدلاً من الاجتهاد للبحث عن طرق علمية جديدة تعظم من فوائدها، وتقلل من أضرارها.

ولعل أكثر تلك الأضرار وضوحاً، هو التدهور المخيف في مستوى التحصيل المعرفي والأخطاء الفاحشة في استخدام اللغة العربية، وهي أخطاء- ولعلها جرائم -انتقلت منها إلى الصحف الورقية، التي بات تدهور مستوى الأداء الحرفي والمهني لأجيال من العاملين بها وتراجع توزيعها، أحد تجليات المآسي التي خلفتها تلك المنصات.

لعل المشاكل التي تعتري تلك المنصات في منطقتنا، أن تكون عرضاً لمرض. أما المرض فيكمن في بناء مجتمعات استهلاكية بامتياز، تستهلك منتجات الحداثة بدلاً من السهر علي تصنيعها، وتخرج أجيالاً من العاطلين والجناة واللاجئين، بدلاً من العلماء والمخترعين والمفكرين والمجددين وتتحدث بإسهاب عن منتجها الفكري والحضاري.

وتعجز عن تحويله إلي نمط حياة يرسخ ثقافة الديمقراطية والحرية، ويصون حقوق الاختلاف والمواطنة، ويعامل المرأة كونها كائناً مؤهلاً للمساواة، ببناء دولة المؤسسات والقانون التي يحتمي بظلها الأفراد، ويتساوون كأسنان المشط، وتلك هي المسألة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات