تأمّلات في فكر هوكينغ

شهد الأسبوع الماضي وفاة عالم الفيزياء المعروف ستيفن هوكينغ، وقد بدا لنا أن نستعرض بعض أعماله وأفكاره، وشيئاً مما يتعلق بذلك، فنقول متجاوزين جوانب حياته الشخصية التي يعرفها كثيرون:

كان هناك سؤالان رئيسان يشغلان هوكينغ: من أين جئنا؟ ولماذا جئنا؟ فانطلق في رحلة البحث، وتوصل خلال عمله مع عالم الرياضيات روجر بنروز (1965 ـ 1970) إلى أن الكون له بداية، وأنه بدأ بانفجار كبير.

وأن الكون بكل ما فيه كان مضغوطاً في نقطة واحدة غير متناهية في الصغر والكثافة، تُدعى بالمتفردة، تنهار عندها قوانين الفيزياء، وتتجاوز مجال العلم، ونشر نظريته في ورقة بحثية مشتركة مع بنروز عام 1970، وقال آنذاك: «قد يكون على المرء أن يلجأ إلى الله»، وأصبحت نظريته مقبولة في الوسط العلمي، ومثَّل ذلك ضربةً قويَّة للفكر الإلحادي.

ومع مطلع الثمانينات طرأ تغيّر لدى هوكينغ تجاه نظريته، وسعى للتخلص من المتفردة وتفادي فكرة بداية الكون، فاقترح أن الكون مغلق على نفسه، مثل سطح الكرة، مستخدماً ما يسمى رياضيّاً بالزمن التخيلي، ونشر فرضيته عام 1983 بالاشتراك مع الفيزيائي الأميركي جيمس هارتل، ومع ذلك أكد أن اقتراحه مجرد احتمال قد يكون صحيحاً.

وأنه يعمل في الزمن التخيلي فقط، أي في النموذج الرياضي الذي صاغه، وذلك أن هوكينغ كما صرَّح يتبنى الاتجاه الذي يعتبر النظرية الفيزيائية مجرد نموذج رياضي يعتمد على نتائج قياسية صحيحة فقط، ولا يُشترط تطابقه مع الواقع.

وهو اتجاه لا يؤمن به جميع الفيزيائيين، فالتجريبيون يرون أن مجال البحث لا بد أن يعتمد على التجربة لا مجرد التجريد النظري، ومع ذلك كله لم ينف هوكينغ ما أثبته سابقاً من أن الكون الحقيقي له بداية، وهو ما صرح به في عام 1992 قائلاً: «أنا ما زلت أعتقد أن للكون بداية في الزمن الحقيقي، حصلت في الانفجار الأعظم».

كما تطرق هوكينغ في كتابه (التصميم العظيم) إلى مظاهر الضبط الدقيق والإتقان الفائق للقوانين الفيزيائية في الكون، وثوابتها التي لو اختلفت أو اضطربت بمقادير يسيرة جدّاً لفسد الكون والحياة، وهو ما درسه الفيزيائيون في العقود الأخيرة، ومثَّل ضربة أخرى للفكر الإلحادي، واستبعد هوكينغ دور الصدفة في صنع تلك التوافقات العجيبة.

واعترف بأن الأمر يبدو ظاهرياً وكأنه من صنع مصمم متقن، مقترحاً بديلاً آخر وهو فرضية الأكوان المتعددة، وهي فرضية محل جدل كبير، رفضها فيزيائيون مثل جون ويلر، ولم يتحمس لها آخرون مثل روجر بنروز وراسل ستانارد، ومن أسباب ذلك عدم إمكانية رصد هذه الأكوان، وإلا ستكون جزءاً من كوننا، وبيَّن فيزيائيون آخرون أنها لا تناقض وجود الخالق، ولا تلغي دليل الدقة والإتقان.

ومن آراء هوكينغ كذلك أن وجود قانون كالجاذبية يتيح للكون أن يخلق نفسه من لا شيء، ومع ما يواجه هذا الرأي من معضلات كبرى فإن هوكينغ لم يستبعد الخالق تماماً، فهناك سؤال كبير حتى لو تم تجاوز تلك المعضلات وهو:

ما مصدر هذه القوانين البارعة التي تتيح للكون أن يخرج من العدم؟ وهو ما أشار إليه هوكينغ في خاتمة محاضرة ألقاها عام 1987 من أن وجود القوانين يطرح تساؤلاً حول وجود الخالق، فمن الذي أوقد فتيل المعادلات؟

وهل القوانين لازمة إلى حد أن تخلق ذاتها؟! وقال في محاضرة أخرى ألقاها عام 1990 بأننا نستطيع دائماً القول إن القوانين هي تعبير عن إرادة الله، كما اعترف بأن سؤال (لماذا جاء الكون) خارج عن نطاق العلوم التطبيقية، قائلاً في مقابلة معه عام 1992: «ما زال أمامنا السؤال التالي: لماذا يهتم الكون بالوجود؟ إذا أردت يمكنك تعريف الإله أنه جواب ذلك السؤال».

إن هذا العرض الموجز لبعض أهم أفكار هوكينغ، والتي استقيناها مباشرة من مؤلفاته المترجمة وغير المترجمة؛ تُظهر أن هوكينغ كان بين أخذ وجذب فيما يتعلق بمسألة الخالق، وغاية ما انتهى إليه في السلسلة السلبية التي مشى وراءها عبر نظرياته وفرضياته.

فيما يتعلق بسؤال (كيف جاء الكون) هي وجود القوانين، والتي لا يمكن أن تستقل بذاتها، ولا يمكن أن يكون وجودها لازماً حتمياً لتخلق نفسها، ولذلك فإن تعويل الملاحدة على هوكينغ لا يخدمهم كثيراً.

إن هوكينغ كغيره من علماء فنه، يصيب ويخطئ، وهو أحد رواد نظرية الانفجار الكبير الذي أقض مضاجع الملحدين، كما أن لديه أفكاراً قابلة للنقاش والاعتراض، والإقرار له بالعبقرية في مجاله لا يعني تقديسه أو تقديس أفكاره، وقد ناقشه علماء كثر، سواء من أهل تخصصه أو التخصصات الأخرى، وقد أفضى إلى ربه، وهو سبحانه أعلم به.

وما نراه من جدال في بعض المجتمعات حول مصيره في الآخرة ليس من العلم أو الحكمة، فأمور الجنة والنار بيد الله تعالى وحده، والشخص المعين لا يُشهد له بجنة ولا نار، كما صرح بذلك أهل العلم، والله أعلم بخواتيم عباده، وأما مسألة الترحم على الميت فهي خصوصية دينية لا علاقة لها بذلك.

ومما نشير إليه هنا أهمية العناية بالشباب، وحسن الجواب على أسئلتهم، وخاصة فيما يتعلق بشبهات الإلحاد، كما نوصي الشباب بالتسلح بالعلم والمعرفة، والتفريق بين اليقينيات والفرضيات التي تتغير وتتطور، وأن يعلموا أن حقائق العلوم الطبيعية لا يمكن أن تتعارض مع ثوابت الدين الصحيح.

كما عليهم أن يحذروا ممن يريد استغلال حبهم للدين أو حبهم للمعرفة والتقدم لتمرير أي أجندات لا تخدمهم ولا تخدم قيادتهم ولا وطنهم ولا مجتمعهم.

* مدير عام مؤسسة رأس الخيمة للقرآن الكريم وعلومه، رئيس مركز جلفار للدراسات والبحوث

طباعة Email
تعليقات

تعليقات