القلق لم يعد يقتصر على واشنطن

وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الأول من مارس الجاري وللمرة الرابعة عشرة رئيساً للاتحاد الروسي خطابه السنوي «خطاب الأمة»، الذي ينص عليه الدستور الروسي وهو الرسالة السنوية التي توجه إلى الجمعية الاتحادية الروسية حول ما أنجز في العام الماضي وحول الرؤى للأعوام المقبلة في النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية.

خطاب الأمة هذا يقابل خطاب «حالة الاتحاد»، الذي يلقيه الرئيس الأميركي سنوياً أمام جلسة مشتركة للكونغرس (مجلسي النواب والشيوخ) في يناير عن حال الأمة في العام الذي مضى والتصور في ظل أجندة الإدارة للعام الذي سيأتي.

كشف الرئيس بوتين في خطابه عن مجموعة جديدة من الأسلحة الاستراتيجية غير الموجودة في أي بلد، أبرزها «صاروخ نووي قادر على الوصول إلى أي مكان في العالم لا يمكن للأنظمة المضادة للطيران اعتراضه» في إشارة تحد لدفاعات الدرع الصاروخية التي أنشأها حلف الناتو على الحدود الروسية.

اللافت في الخطاب هو التهديد باستعداد روسيا بالرد الفوري على أي هجوم نووي على بلاده أو أي من حلفائها مؤكداً في الوقت نفسه بأنها لا تنوي مهاجمة أي دولة أخرى. الرئيس بوتين بهذه الكلمات القوية يضع كوريا الشمالية التي لا تتمتع بأي تعاطف دولي تحت حمايته باعتبارها من يقبع في دائرة الخطر بعد تكرار تهديدات الرئيس الأميركي ترامب بتدميرها.

وهو ما يصعب فهمه، إذ كيف تدخل روسيا حرباً نووية تخاطر فيها بدمار هائل يلحقها من أجل الدفاع عن دولة أخرى من الصعب اعتبارها حليفاً لها، فليس ما يجمع روسيا مع كوريا الشمالية غير العداء للولايات المتحدة وهو مما لا يصلح لإقامة تحالف، فموسكو لم تسهم في الدفاع عن بيونغيانغ في مجلس الأمن الدولي باستخدام الفيتو ضد سلسلة العقوبات التي فرضت عليها، والتي اتخذت بموافقتها.

خطاب الرئيس بوتين يأتي، بعد سلسلة من المناورات العسكرية الضخمة التي أجرتها موسكو كان آخرها في سبتمبر المنصرم بعد فشل الاجتماع مع الناتو، لتعزيز المخاوف لدى الغرب، فالولايات المتحدة تأخذ التهديدات الروسية على محمل الجد منذ صعود الرئيس بوتين لسدة الحكم، الذي أعاد تأهيل القوات المسلحة لتسمح لموسكو لعب الدور السياسي كونها قوة عظمى على المسرح الدولي.

وهي، أي الولايات المتحدة، ترصد عن كثب وبقلق النمو المطرد في القدرات العسكرية الروسية ونوعية الأسلحة التي أصبحت بحيازتها، لذلك عمدت إلى رفع ميزانية البنتاغون من 578 مليار دولار عام 2015 إلى 618.7 مليار دولار عام 2016 خصص منها 3.4 مليارات دولار لـ«ردع روسيا» في حين خصص مبلغ 1.16 مليار دولار لمحاربة تنظيم داعش في مسعى أسماه البنتاغون «لتصحيح مسار عشرات السنوات من ضعف الاستثمار في الردع النووي».

وكان وزير الدفاع الأميركي السابق آشتون كارتر قد صرح في سبتمبر 2016 أثناء زيارته إحدى قواعد الصواريخ النووية في ولاية داكوتا منتقداً ما أسماه الإيحاءات النووية الروسية بأن «روسيا بقيادة فلاديمير بوتين تثير في أوجه معينة قلقاً أكبر مما كان يثيره الاتحاد السوفييتي، على صعيد إمكان استخدام السلاح النووي».

جاء خطاب الرئيس بوتين في توقيت لا يمكن اعتبار ما ورد فيه بعيداً عن أجواء الانتخابات الرئاسية، فالرئيس أحد المرشحين فيها والأكثر حظاً للفوز بها، فهو لم يتمكن من البقاء في المركز القيادي في روسيا والحصول على الدعم خلال هذه الفترة الطويلة إلا من خلال إعادة الاعتبار لروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وهذا لم يتم سوى بإعادة البناء لقوة روسيا العسكرية والدخول في تنافس مع الولايات المتحدة للحصول على التفوق العسكري على الرغم من عدم إمكانية التنافس لتحقيق ذلك في النواحي الأخرى.

التفاؤل بتراجع أجواء الاحتقانات والتشنجات الدولية بنهاية الحرب الباردة لم يدم سوى سنوات قليلة لتعود تلك الأجواء من جديد مضفية ظلالها القاتمة على المشهد الدولي في أروقة الأمم المتحدة، وفي الميادين الساخنة في أكثر من مكان والتي قد تمتد إلى مناطق أخرى من العالم، فالنظام العالمي الذي انبثق بُعيد حقبة الحرب الباردة لم يكن مؤهلاً لصناعة عالم يُعنى بتحرير الإنسان من القلق والخوف.

في سباق التسلح الجديد لن تكون دول أوروبا الغربية بعيدة عنه، فسياسة الرئيس بوتين قد أسهمت في إعادة تقارب هذه الدول مع الولايات المتحدة، بعد البرود الذي أصاب علاقاتها مع واشنطن مع مجيء الرئيس ترامب، والقلق من التسلح الروسي ومن النوايا التي تكمن وراءه لم يعد يقتصر على واشنطن.

* كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات