السعادة في البحوث العربية

تتبع باحثون في دراسة لطيفة مجموعة من سائقي الحافلات لمدة أسبوعين لمعرفة ماذا يحدث حينما يفتر فاه السائق عن ابتسامة مصطنعة (زائفة). فتبين أن الحالة المزاجية للسائقين تزداد سواء حينما يتكلفون التبسم، في حين يتحسن مزاجهم عند ابتساماتهم الطبيعية التي نجح الباحثون في تحفيزها عبر أفكار وذكريات سعيدة تدفعهم للتبسم الطبيعي. هذه الدراسة التي نشرت في أرفع المجلات العلمية AMJ في الإدارة وجاءت في تقرير دليل السعادة الذي أصدره أول من أمس البرنامج الوطني للسعادة والإيجابية في الإمارات.

كنت أتمنى أن أرى هذا النوع من الدراسات في العالم العربي، حيث كنت بالصدفة أبحث قبل أيام في محركات البحث العلمية لحصر أعداد الدراسات العربية المختصة في السعادة، فكانت الصدمة أن معظمها أجري على طلبة المدارس والجامعات أو ما يسمى بالعينة السهلة.

وقلما تجد بحثاً معمقاً عن أروقة العمل التي يقضي فيها الناس معظم ساعات النهار. صدمتي كانت بالغة لأنه يصدر سنوياً نحو 700 بحث جديد في السعادة وعلاقتها بمتغيرات عديدة كالإنتاجية والأداء والرضا الوظيفي وغيرها. وتصاعدت وتيرتها بصورة غير مسبوقة في تاريخها منذ عام 2005 ولكن العرب مازالوا بعيدين عن ذلك الركب.

أهمية هذا النوع من البحوث تكمن في أنه مرتبط بقطاعات عديدة ويجري حديث جاد عن أهمية استخدام معيار مدى سعادة المرء في الدول إلى جانب مقياس الناتج القومي الإجمالي. وهو تطور كبير ربما لم يخطر على بال الاقتصاديين الذي وضعوا معيارهم قبل عقود.

وحتى يكون لدينا حصيلة كبيرة من الدراسات لا بد أن نلمس انعكاس السعادة في حياتنا المهنية وترسيخ العلاقات. فقد توصل علماء من جامعة وارويك البريطانية إلى أن وضع خطوات جادة في أروقة العمل نحو تعزيز السعادة أسهم في رفع معدلات الإنتاجية بنسبة تبلغ 12 في المئة. وفي دراسة جامعة هارفرد الشهيرة التي تتبعت الناس لنحو 80 عاماً وجدت أن أهم وأقوى محفزات السعادة كانت «جودة» العلاقات أكثر من «عددها».

وأن «العلاقات الوطيدة» تعد أبرز محفزات بقائهم سعداء والأهم أن تلك الأمور تتفوق في أهميتها على الشهرة والمال. وحتى الابتسامة، التي تنبثق منها مشاعر السعادة، حينما «نراها» على وجوه الآخرين تنشط بسببها بعض خلايا أدمغتنا المسماة «بالخلايا العصبية المرآتية»، أي أنها تحفزنا لمقابلة تلك الابتسامة بما يماثلها من بشاشة.

كل ذلك جاء في دليل السعادة المهم، الذي يضم أيضاً خطوات عملية، غير أنه مثل غيره يحتاج إلى معين لا ينضب من البحوث العلمية العربية لتشكل رافداً محلياً لهذه التقارير ولتكون نواة لإقناع متخذي القرار في الدول العربية قاطبة بأننا بحاجة لتوجهات جادة مؤسسية تساعد الجهات لتحقيق سعادة العملاء والمراجعين والأهم الموظفين في المقام الأول.

والأهم أن تكون هذه المراكز البحثية مستقلة عن الحكومات مثل سائر مثيلاتها بالعالم حتى لا تتأثر بتوجهات المسؤولين التي يتبعونها إدارياً. ولتبصرهم علمياً بأمور ربما كانت خافية عليهم. والأهم من ذلك كله أن تكون ميزانياتهم سخية؛ فكم عانيت وغيري من «حفلة تقشفات» البحث العلمي الذي هو أصل العديد من القرارات السديدة في العالم الغربي.

 كاتب كويتي

تعليقات

تعليقات