حين يعطش النيل

في الثمانينيات وأوائل التسعينات سادت العالم مقولة إن الحروب المقبلة ستكون حروب الماء، لكن يبدو أن الأرض لم تزل متعطشة للدماء. وكان نصيبها الأكبر من دمائنا العربية. وتوقفت آلة وآلهة الحرب في الكرة الأرضية لتجتمع في المنطقة العربية. معارك مباشرة ومعارك بالوكالة ومعارك القتيل فيها معروف والقاتل مجهول.

أما وقد شارفت هذه الحروب التي بدأت بما سمي الربيع العربي على نهايتها، فقد بدأت حروب الماء تطل برذاذها وبخاصة من أكبر خزان لها وأطول نهر على الأرض، النيل العظيم. وعلى مدى التاريخ ظل اسم النيل مرتبطاً ومرادفاً لاسم مصر، ففي القرن الخامس قبل الميلاد قال أبو التاريخ المؤرخ هيرودوتس «مصر هبة النيل». وفي القرن الأول قبل الميلاد، نظم الشاعر الروماني تيبولوس قصيدة تبجّل النيل، قال فيها «الأرض التي ترويها لا تطالب السماء بالماء، والعشب الذي جفّ لا يتضرع إلى جوبيتير ليوزّع مياه الأمطار»، لكن هذه النعمة التي تروي مصر منذ آلاف السنين مهدّدة اليوم، وفق تقرير مهم للكاتب الفرنسي الشهير ألان غريش تحت عنوان «من خسر النيل؟».

العنوان العريض للأزمة هو «سد النهضة»، فعند الانتهاء من السد العملاق على النيل الأزرق، والمقرّر هذا العام، ستصبح لإثيوبيا اليد العليا في قرار تدفّق المياه. يقول غريش: اعترف لنا مسؤول مصري على مضض: «لم نستطع أن نحول دون تشييد السد، ولم نتمكّن من تحصيل التعديلات على المشروع، خصوصاً في ما يتعلق بخفض سعة تخزينه.

أملنا الوحيد أن تتم تعبئة بحيرة السد على فترة تتجاوز الثلاث سنوات التي أعلنت عنها أديس أبابا». إن حدث العكس، فإن البلد سيكون مهدّداً بنقص شديد في حصته المائية، ربما بدءاً من العام المقبل. هنا في القاهرة، تتبادل الألسنة من جديد قصة الملك الإثيوبي، دويت الثاني، الذي هدد سلاطنة المماليك في مطلع القرن الخامس عشر بحجز مياه النيل عنهم.

يمتد المشروع على مساحة تبلغ 1800 كيلو متر مربع، وسيبلغ ارتفاعه 170 متراً ليصبح بذلك أكبر سد للطاقة الكهرومائية في قارة أفريقيا. واكتمل حتى الآن نحو 30 في المئة من المشروع الذي سيتكلف نحو 4.7 مليارات دولار. ويعمل في البناء 8500 عامل على مدار الساعة.

في أسوان جنوبي مصر تقول مراسلة بي بي سي سالي نبيل إن مصر تخشى أن يحد مشروع السد الإثيوبي من نصيبها في النيل، النهر الذي يعد المصدر الرئيس للمياه في بلد قليل المطر. وكان الخلاف، الذي بدأ في 2011، قد جاء في وقت تعاني فيه بالفعل بعض المناطق المصرية نقص المياه.

وينتظر المزارعون في دلتا النيل، التي تعد قلب الزراعة المصرية، الصيف المقبل ليروا إن كانوا سيستطيعون زراعة أراضيهم. وتنقل المراسلة عن إحدى المزارعات قولها: «عندما نفقد ماء أكثر من ذلك سنموت، لن نستطيع العيش».

مسألة نقص المياه تتزايد حدتها في مصر سنوياً، فالنيل الذي تتبخر مياهه بمعدل تتزايد سرعته عاما بعد آخر، لم يعد يكفي كمية المياه المطلوبة لسد أسوان. ورغم الزيادة السكانية، تقلصت الأراضي الزراعية في مصر.

فتش عن اليد الإسرائيلية، على الرغم مما تدعيه حكومة نتانياهو بأنها تقوم بدور الوسيط بين مصر وإثيوبيا إلا أن ثمة تقارير بأنها تساعد إثيوبيا في بناء سد النهضة. كيف لا وشعارها «من النيل إلى الفرات»؟ فقد قام نتانياهو بزيارات لعدد من الدول الأفريقية حيث أرسي أسسا لعلاقات في مختلف المجالات، العسكرية والسياسية والاقتصادية والزراعية وغيرها.

خلال المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب في هرتزيليا 8 سبتمبر 2014، تحدث أحد أخطر دهاقنة السياسة الإسرائيلية شمعون بيريز عن أهمية العلم، واحتلال الأرض، وأن الصراع كان على الأرض، ولكن الآن الجيوش لا تستطيع احتلال العلم، وأنه من خلال الحروب تستطيع احتلال مزيد من الأراضي، ولكن تحصيل العلم أفضل من أي أرض، وأن إسرائيل لم تزد من مساحتها ولكن زادت من محاصيلها من خلال العلم، وتحدث بيريز عن مصر ومياه النيل قائلاً: «النيل نقصت مياهه 10% إلى الآن، بينما زاد عدد سكان مصر خمسة أضعاف، ولا يدرون ماذا يفعلون، وإثيوبيا تبني الآن سدًا لأنهم يريدون الحصول على بعض مياه النيل الأزرق، الذي تملكه إثيوبيا».

وتابع بيريز: «قلنا للمصريين لا تذهبوا للحرب، فالحرب مكلفة جداً، ونحن نستطيع مساعدتكم في أن تصنعوا من النيل الواحد ثلاثة»، وقال إن «إسرائيل تبدأ الآن تجربة جديدة، وهي (الغذاء مقابل السلام)، وإنه كما يمكن إعادة تدوير الغذاء، فإنه يمكن إعادة تدوير المياه، وإن إسرائيل تتميز في العلم كما تتميز في القتال».

ما نخشاه على مصر أن يصبح بيد إسرائيل «قُلة بهية وعيش حسنين».

* كاتب أردني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات